الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٨٧ - الموقف الشيعي
والوقوف بوجهه يصل إلى حدّ الحرمة على الأقل. ولعلّ بعض الفقهاء المتقدمين شكّكوا في لزوم طاعة الحاكم لكونه حاكماً، لكن هناك إجماع في الرأي على عدم جواز الوقوف بوجهه[١].
وبالطبع فإن عامل الأخلاق والتقوى كان يمنع اقتراب العلماء والفقهاء المتّقين السنّة من السلاطين، لأن السلطة تقترن في معظم الحالات بالدنيا والظلم والتعدّي والهوى والتحلّل والغفلة عن الآخرة والقيامة، فالنأي عن السلطان يمثِّل مصداقاً للاحتراز من الدنيا وأهوائها الأمر الذي يشجّع عليه علماء السنّة المتّقين ويؤكدون على الأحاديث التي وردت في هذا الباب، أي باب الابتعاد عن السلطان[٢].
[١] -- ثمة عدد قليل من فقهاء السنّة أجازوا الوقوف بوجه الحاكم الجائر والفاسق حينما يتعذر إصلاحه إلا بالسيف. انظر آراء ابن حزم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب الفصل: ٤/ ١٧٣١٧٤، وكذلك آراء إمام الحرمين الجويني في شرح المقاصد: ٢٧١٢٧٥، وهؤلاء كما ذكرنا لا يمثّلون إلا أقلية قليلة.
[٢] -- يذكر ابن الجوزي في كتابه" تلبيس إبليس" أنواع المكائد التي قد يُوقِع بها الشيطان الفقهاء، ومنها القرب من السلاطين، حيث يفصِّل الكلام في هذا الباب ويقول:« .. وفي الجملة فالدخول على السلاطين خطر عظيم؛ لأن النية قد تحسن في أول الدخول ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم، ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم. وقد كان سفيان الثوري يقول: ما أخاف من إهانتهم لي، إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم. وقد كان علماء السلف يبعدون عن الامراء لما يظهر من جورهم فتطلبهم الامراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات، فينشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا فتعلّموا العلوم التي تصلح للُامراء وحملوها إليهم لينالوا من دنياهم». تلبيس إبليس: ١١٨١١٩، وكثيرة هي الانتقادات المماثلة في كتب الحديث والأخلاق والتاريخ.
يتحدث الغزالي بالتفصيل في المواقف التي ينبغي على العلماء اتخاذها إزاء السلاطين، منها قوله:« فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلّة مبالاتهم بسطوة السلاطين، ولكنهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم، ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا لله النية أثّر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها، وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا، وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا، ففساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا فلم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر؟». الإسلام بين العلماء والحكام: ٦٠، نقلًا عن إحياء علوم الدين: ٧/ ٩٢.
والطريف أن الغزالي أجاز الدخول على السلاطين في حالتين فقط تكشفان عن فهمه السياسي الديني لهذه المسألة:« لا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين: أحدهما: أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا أمر إكرام، وعلم أنه لو امتنع اوذي، أو فسد عليهم طاعة الرعية، واضطربت عليهم أمر السياسة. فيجب الإجابة، لا طاعة لهم، بل مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا تضطرب الولاية.
الثاني: أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه، أو عن نفسه ...». الإسلام بين العلماء والحكام: ١١٨، نقلًا عن إحياء علوم الدين: ٥، من الباب السادس فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة. انظر أيضاً الفوائد لابن قيِّم: ١٥٣ ١٤٩. و:
. ١٦٥. p, sirihaZ ehT, rehizdloG
Gibb, Studies on The Civiliz ation of Islam, p. ٥٤١.