الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٧٤ - روح التضحية في الإنسان
الفرق بين الدين الإسلامي والدين المسيحي شاسعاً وواضحاً.
على عكس مسيحية القرون الوسطى، أصبحت المسيحية الموجودة ديناً محدوداً لا يستطيع أن يعبّئ قدرات أتباعه كالسابق ويسخّرها لخدمته. فلا تجد مسيحياً معاصراً يتصف بالصلابة والاقتدار كما في الماضي، وهذا ليس بسبب
الضعف الذاتي للمسيحيين المعاصرين، وإنما بسبب ضعف المسيحية التي يؤمنون بها، لأنها تفتقد إلى الحزم والصراحة والحسم بالشكل الذي كانت عليه سابقاً. فالدين الذي يتراجع خطوة فخطوة أمام المدنية الجديدة وضروراتها وضغوطها وحتى أمام معاييرها وقيمها المادية البحتة بذريعة حماية نفسه، وتتضاءل أصالته ولا يفكر إلا بالانسجام مع الوضع الموجود مهما كان الثمن، هذا الدين يفقد الحد الأدنى من عناصر الجذب التي يمكن بواسطتها أن يجعل من أتباعه والهين به يضحون من أجله، الأمر الذي يفتقد إليه المسيحيون في العصر الحاضر لا بسبب ضعف إيمانهم وإنما لضعف المسيحية نفسها والتي تبلِّغ لها الكنيسة الحالية[١]. وهذا هو السبب الذي يعود إليه الاختلاف بين الإسلام والأديان الاخرى وعلى رأسها المسيحية في الوقت الحاضر.
فلم يطْوِ الإسلام المسار الذي سارت عليه الأديان الاخرى في القرون المتأخرة لأسباب مختلفة تعود بأجمعها إلى طبيعة الإسلام نفسه، رغم رغبة المسلمين أصحاب الفكر العصري بذلك دون أن ينتبهوا إلى طبيعة هذا الدين، ولهذا السبب بالضبط لم تتضاءل الأصالة الاعتقادية الإسلامية للُامة في هذا العصر عن الأصالة الاعتقادية لآبائهم في القرون الماضية، وهذا يعني أن الإسلام استطاع أن يحافظ على أصالته وصراحته وحزمه وصفائه رغم تبدّلات الزمن، ويحتفظ بنفس النفوذ والقدرة وقوة الجذب التي كان عليها في الماضي، بالشكل الذي يستطيع فيه أن يلبي
[١] - للمزيد من الاطلاع، راجع:On Being Christian ,pp .١٣ -٤٣ .