الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٤٤ - منزلة الخلافة
والعباسيون وجميع من تلقّب بالخليفة في تاريخ الإسلام وأذعن الجمهور لهم، كالمماليك في مصر وسلاطين العهد العثماني الثاني ظهرت الحاجة لإضفاء شأنٍ دينيٍّ خاصٍّ على تسلّطهم على مقاليد الحكم يُقنع الامّة، وكانت الوسيلة الأفضل لذلك إحاطة المنصب بمنزلة دينية لكسب الشرعية في السيطرة على الحكم، وهذا كان يفرض عليهم رفع شأن الخلفاء بعد الرسول (ص)، وإظهار الخلافة على أنها أمر إلهيّ ودينيّ، وإضفاء القداسة على الخلافة والخلفاء، وبشكل عام إعطاء منزلة دينية مقدسة لتاريخ تلك الأيام وشخصياتها، فبهذه الطريقة يصبح لمنصب الخلافة شأناً بل ضرورة دينية، الأمر الذي ينسحب عليهم وعلى مناصبهم[١].
الواقع لم تكن لدى خلفاء بني امية رغبة في أن يُطلق عليهم لقب الخليفة لأن طبيعتهم البدوية والجاهلية واللاابالية لم تكن تنسجم مع مثل هذا التكلّف. لكن الأمر يختلف تماماً عند بني العباس؛ ذلك لأنّ بقاءهم كان يستوجب التشبّث بهذا اللقب، ولم يستمر حكمهم لأكثر من خمسة قرون إلا من خلال تمسكهم بهذا العنوان رغم أن حكمهم كان صورياً في بعض المراحل، وقد تبنّوا هذه الظاهرة التي ابتدعها معاوية لأسباب تختلف كثيراً وأسندوها، بالرغم من أن بني العباس أنكروا الكثير من سياسات معاوية وبني امية على العموم؛ ذلك أن تقديس الخلفاء بعد الرسول (ص) يساعد بصورة مباشرة على تقديس مفهوم الخلافة ومن يتولاها[٢].
[١] - راجع الإسلام واصول الحكم: ١١٣١٣٦ و ١٨٠١٨٢، ففيه تحليل ونقد لهذه الظاهرة.
[٢] - على العكس من العباسيين لم يكن الامويون بحاجة إلى الدين والتظاهر به؛ ذلك أنّ طباعهم وتربيتهم وسجاياهم كانت أقرب إلى البداوة والجاهلية، وكانت سياساتهم أشبه إلى سياسة رئيس القبيلة من سياسة خليفة إمبراطورية كبيرة أو سلطانها، ولهذا سقطت الاسرة الاموية سريعاً. يخاطب معاوية الذي كان يراعي الظاهر أكثر من سواه من بني اميّة أهل الكوفة أنه يهدف إلى بسط سلطته وحكمه عليهم لا إلى تحريضهم على إقامة الصلاة وأداء الزكاة. انظر الامويون والخلافة: ١٣.
ويقول عبد الملك بكل صراحة:« أيها الناس ...، فاستقيموا على سبل الهدى، ودعوا الأهواء المردية، وتجنبوا فراق جماعات المسلمين، ولا تكلّفونا أعمال المهاجرين الأولين، وأنتم لا تعملون أعمالهم ..». الامويون والخلافة: ١٢٢.
بيد أن العباسيين كانوا على غير هذه الشاكلة، إذ كانوا يتظاهرون ما استطاعوا بالتديّن والالتزام الشرعي لاسيما في عهد المنصور لكثرة الثورات التي قامت ضده. انظر مبادئ نظام الحكم في الإسلام: ٥٨٤. وقيل في التعصب الجاهلي للُامويين:« أنهم كانوا لا يولّون إلا ابن حرة». تاريخ ابن عساكر: ٥/ ٢٠٦.
ويقول ابن أبي الحديد:« كان يُقال: إن دولة بني اميّة آخرها خليفة، امّه أمة، فلذلك كانوا لا يعهدون إلى بني الإماء منهم، ولو عهدوا إلى ابن أمة لكان مسلمة بن عبد الملك أولاهم بها». شرح ابن أبي الحديد: ٧/ ١٥٧. وانظر أيضاً: الامويون والخلافة: ٤٥، وفجر الإسلام: ٩١. بينما كان العباسيون على عكس ذلك تماماً فقد كانوا« لا يتزوجون إلا من الموالي، فمنذ سنة( ٨٠٠) للميلاد فما بعد لا تجد خليفة مولودا من امٍّ حرة».
G. F. Grunebaum, Classical Islam, p. ٠٨. Goldziher, Muslim Studies, vol II. pp. ٨٣- ٨٨.
حول الفرق بين سياسة العباسيين والامويين، راجع الكتاب أعلاه، لا سيما الصفحات ٨٠- ٨٩.