الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٣٠٢ - الضغوط والضرورات الجديدة
سوى هذين العاملين ثمة عامل داخلي ثالث برز خلال العقود الأخيرة من الزمن، حيث تعرضت مظاهر الحياة الفردية والاجتماعية للتغيير، وكان من الطبيعي أن تتكيف الروح والشخصية والفكر والمُثل لهذا التغيير، تبعاً لذلك عاش الشاب المسلم في المرحلة المعاصرة بيئة تختلف كلياً عن بيئة آبائه وأجداده، فقد تركت التطورات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية الجديدة أثرها على روحه وشخصيته وذهنه وفكره وحساسيته وحاجته وهدفه وفهمه ووعيه، حتى أن فهمه الديني أصبح وهو في أقصى درجات الالتزام يختلف عن الفهم الديني للسلف، وبالتالي فإنه أصبح ابن زمن آخر وتجربة اخرى وضرورة وحاجة اخرى[١].
وقد تجلّى هذا الاختلاف في الشخصية والروح والهدف بشكل أساسي في المباحث السياسية الدينية لأسباب تاريخية واجتماعية وسياسية. وتركز الاختلاف في الفهم الديني بين الجيلين القديم والجديد في اختلاف فهمهما للمباحث الدينية السياسية، إزاء هذا التطور لم يستطع الفكر الكلاسيكي لأهل السنة حتى في قمة تقدميته وحداثته أن يلبي حاجات العصر، ذلك أن هذا الفكر الكلاسيكي كان ينسجم مع ظروف أكلها الدهر، خاصة وأن هذا المبحث كان ينطوي على حساسية بالغة. ويستند الجزء الأعظم من الفكر السياسي لأهل السنّة على الإجماع، ولا يستطيع هذا المسند أن يصمد أمام شكوك وانتقادات الجيل الجديد، وقد حصل هذا بالفعل وانهار عملياً الكثير من اصوله المفروضة والموضوعة[٢].
[١] - عن اختلاف هاتين المرحلتين والتجربتين طالع كنموذج مسار التحولات الفكرية والعقائدية لأحد المثقفين المسلمين المعاصرين الذي أفصح عنه بكل صراحة وصدق في: من العقيدة إلى الثورة: ٤٨ ٤٦.
[٢] - راجع بحوث عبد الرازق واستدلالاته في" الإسلام واصول الحكم" حينما يتحدث عن أبطال الخلافة كأصل من اصول الدين، أو حتى كأمر من اموره. فهو ينفي إجماع العلماء عليها، بل وينفي بصورة غير مباشرة أصل الإجماع، وقد تمسّك منتقدوه بهذه النقطة وعمدوا على ردّ آرائه من هذه الزاوية. انظر كمثال إلى الإشكاليات السبعة التي أوردها عليه مجلس علماء الأزهر وحاكمه بها، ليخرجه في النهاية من الأزهر. مقدمة محمد عمارة على الإسلام واصول الحكم: ٢١. انظر أيضاً: سدّ باب الاجتهاد وما ترتب عليه لعبد الكريم الخطيب الذي وجّه انتقادات مماثلة لعلي عبد الرازق، وكان هدفه الأساس فتح باب الاجتهاد لرفع الأزمة الدينية، والمساعدة على بثّ الوعي الديني في المسلمين والعمل على أسلمة المجتمع، المصدر نفسه: ٧.