الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٩٧ - الضغوط والضرورات الجديدة
ولم يكن الأمر مجرد وجوب النهوض بوجه سلطة لا تهتم بالدين ولا تراعي حرمته وتعارضه، من أجل حمايته وحفظ قيمه، كما حصل قبل خمسين أو مائة عاماً مضت، فالحركات الدينية خلال القرن الأخير باستثناء العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة تأسست للوقوف بوجه السلطة الحاكمة لجرأتها على الدين وضربها بعرض الحائط المصالح الدينية والوطنية. الأهم من ذلك أن هذا الجهاد بغض النظر عن غايته النهائية انطوى على حقيقة موضوعية، فلم يكن مهماً للدفاع عن الدين الوقوف بوجه نظام الحكم الفاسد وتقويمه، هذه الحقيقة هي أن التطورات المختلفة والحضور الفعّال للفئات اليسارية واليمينية التي كانت تمارس نشاطات سياسية وثورية قد أوجدت أرضية فكرية ونفسية في نفوس الشبان المسلمين، حتى أصبح مجرد عرض اطروحة ثورية تعتمد على المبادئ الإسلامية ضرورة لابد منها. ولم يكن بالإمكان إشباع النفوس الظامئة الميّالة إلى الدين والعدالة للشبان الذين كانوا يعانون من فراغ وجود أيديولوجية جهادية تدعو إلى تحقيق العدالة سوى عن هذا الطريق، وكان الظمأ يبلغ بهم مبلغاً يدفعهم للالتجاء إلى المدارس الاخرى لو لم يجدوا العمل الأمثل في الإسلام، وكان الدين مضطراً لعرض أيديولوجيته الثورية والجهادية حفاظاً على أبنائه[١].
وكانت الأيديولوجية الشيعية وتجربتها التاريخية قادرة على الاستجابة لهذه الحاجة، دون إجراء أي تغيير أو إصلاح على مبادئها، أو أن تلجأ إلى خرق الإجماع، أو تضطر إلى التشبّث بتفسيرات وتبريرات أوسع من حجمها الحقيقي، لا سيما وأن ملحمة عاشوراء راسخة في أفكار وأذهان وعواطف الشيعة، هذه الملحمة التي تحمل في طيّاتها وكل دقائقها نداءً إلى الشيعة، وإحياؤها إحياء لمبدأ ضرورة الوقوف بوجه النظام الفاسد والجائر مهما كان قوياً ومهما كانت
[١] - إيدئولوجي وانقلاب: ١٨٤ ١٦٩.