الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٩٨ - الضغوط والضرورات الجديدة
التضحيات، حتى أصبحت هذه الملحمة أهم مصدر إلهام للاستهداء إلى السبل المناسبة لحلّ المشكلات التي واجهها الجيل الجديد للشيعة[١].
أمّا بالنسبة لأهل السنّة فلم تكن القضية بهذه الصورة، فقد واجهوا ضغوط العصر الجديد والنفوس الطامحة للشبان التي تبحث عن حلول دينية سياسية ثورية، الأمر الذي لا يستطيع الفقه والكلام والتجربة التاريخية لدى أهل السنّة تلبية هذه الحاجات، بل كانت عملياً في المسار المعاكس لها. لهذا فإن المشكلة أصبحت ذات شِقّين: شِقّ نظري وأيديولوجي، وآخر عملي وتاريخي واجتماعي، فالأيديولوجية
[١] - خلال التحولات السياسية والاجتماعية على طول التاريخ الشيعي احتلّت ملحمة عاشوراء مكانة مهمة في هذا التاريخ، وينطبق هذا الكلام على مرحلتنا المعاصرة أكثر من الفترات المنصرمة، فقد أصبحت الحاجة في التاريخ المعاصر وفي الإطار الشيعي وعلى الخصوص في إيران ماسّةً للأفكار الثورية التي تفتح الطريق لإيجاد التغيير السياسي.
فالموقف المبهم الغامض لمالك بن أنس مثلًا حيال محمد ذي النفس الزكية ربما كان ناجماً عن هذا الأمر، فقد أراد أهل المدينة تقديم الدعم لمحمد لكنهم كانوا قد بايعوا المنصور سابقاً، فقال مالك: بأن البيعة لا تنعقد بالإكراه، عندها التفّ أهل المدينة حول محمد، مما دعا بوالي المدينة إلى الأمر بضرب مالك حتى تكسّرت عظام كتفه، ورغم ذلك فقد أجاب عن سؤالٍ حول جواز الخروج على ا لحاكم:« إن كان على مثل عمر بن عبد العزيز لا يجوز، وإن لم يكن على مثله، فدعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما».
وممّن ذكرهم المؤلف في هذا الكتاب: سعيد بن المسيب الذي رفض طلب عبد الملك في أخذ البيعة منه لولديه وليد وسليمان قائلًا: بأن الرسول نهى عن بيعتين، وتعرض لشتى أصناف التعذيب دون أن يستسلم. إن اتخاذ مثل هذه المواقف أمام السلطان تختلف تماماً عن موقف الإمام الحسين( ع) من يزيد، أو موقف زيد بن علي من هشام. فلم يُفْتِ أيّ من علماء السنّة تقريباً بلا شرعية الحكام الذين يقاومون رغباتهم، غاية الأمر أنهم كانوا يرفضون تنفيذ طلباتهم.