الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢١١ - إشاعة المذهب الجبري
القوانين دون أن يستطيع إنكارها.
وكان الحل الأفضل الذي لا يؤدي إلى إنكار الإسلام ولا يقف حجر عثرة في طريق حرية الحاكم وسلطته ونزواته هو الترويج للمذهب الجبري القائل بأن الإنسان كائن مجبور مسلوب الإرادة لا دخل له في تعيين مصيره، وأن مقدّراته بيد الله وكل ما يصيب الإنسان إنما يصيبه بمشيئة الله، أي أنه جرى الترويج لنفس الفكرة الجاهلية بلباس إسلامي واستبدال الآلهة المتعددة بإله واحد[١].
على أساس هذا التفسير فإن كل ما يحصل للإنسان إنما يحصل له خارج نطاق إرادته وبمشيئة الله القادر المطلقة، سواء كان الحادث طبيعياً أم صادراً عن الحاكم والخليفة أم أي إنسان آخر، وهذا هو بيت القصيد، أي أن ما يصدر عن الحاكم هو تقدير إلهي يتحقق عن هذا الطريق لا يمكن تغييره والاعتراض عليه، كما أن وجود الحاكم نفسه هو تقدير إلهي لا يقبل التغيير والتبديل، فهو موجود لأن الله تعالى أراد ذلك، وبيده السلطة لأنه تعالى شاء ذلك[٢].
[١] - حول انتماء الامويين وشعرائهم إلى المذهب الجبري، راجع: الامويون والخلافة: ٢٧٤٧.
[٢] - يوضح علي عبد الرازق هذه القضية بصورة جلية ويقول:« إن الذي يستقرئ عبارات القوم المتصلة بهذا الموضوع يستطيع أن يأخذ منها بطريق الاستنتاج أن للمسلمين في ذلك مذهبين: المذهب الأول: أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى وقوته من قوته. ذلك رأي تجد روحه سارية بين عامة العلماء وعامة المسلمين أيضاً. وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو، وتشير إلى هذه العقيدة. وقد رأيت فيما نقلنا لك آنفاً أنهم جعلوا الخليفة ظل الله تعالى، وأن أبا جعفر المنصور زعم أنما هو سلطان الله في أرضه. وكذلك شاع هذا الرأي وتحدث به العلماء والشعراء منذ القرون الاولى. فتراهم يذهبون دائماً إلى أن الله جل شأنه هو الذي يختار الخليفة ويسوق إليه الخلافة ... ولقد كان في شيوع هذا الرأي وجريانه على الألسنة مما سهّل على الشعراء أن يصلوا في مبالغتهم إلى وضع الخلفاء في مواضع العزة القدسية أو قريباً منها، حتى قال قائلهم:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار»
الإسلام واصول الحكم: ١١٧١١٨، انظر من: ١١٣١٢٠. وراجع البحث الجيد لحسن حنفي في هذا الموضوع في كتاب من العقيدة إلى الثورة: ١/ ٢١٢٩.