الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٩٠ - الموقف الشيعي
حقيقة الأمر أنّ التنافس السياسي بين الطرفين أدّى إلى نشوب النزاع الديني، وقد لعب العثمانيون دوراً أكبر من الصفويين في إثارة هذا النزاع؛ لأن الشيعة لم تصف السنّة بالمروق عن الدين، ولم تهبَّ لمواجهتهم بهذا الدافع يوماً ما[١]، بينما نرى أن العكس هو الصحيح، إذ يحدثنا التاريخ عن حالات كثيرة أقدم فيها عوامّ أهل السنّة وبتحريك من عالِم متهتّك عميل أو أمير سفّاك على تصفية الشيعة لأسباب لا مجال لذكرها الآن. وكان من السهل على سلاطين بني عثمان استغلال هذه الذهنية والخلفية التاريخية لتحريض الناس ضد إيران أو ضد الشيعة الساكنين ضمن حدود الدولة العثمانية، وبطبيعة الحال فإن الآثار السلبية التي ترتبت على ذلك كانت أعمق بكثير مما استهدفه السلاطين وسائر المحرِّضين[٢].
[١] - اعتمد السلاجقة سياسة مناوءة الشيعة وعمدوا إلى إثارتها لأسباب مختلفة." نظام الوزارة في الدولة العباسية: ٤٧"، وقد عدّهم الخواجه نظام الملك من الكفار، وكان يقول: اقتلوهم حيث ثقفتموهم ... وغيرها من الممارسات القاسية ضد الشيعة.
لكن أحد كبار المتكلمين الشيعة حينذاك وهو عبد الجليل القزويني كان يثني على دور السلاجقة في ترويج الدين ونشره، ويؤكد بأن أي مظهر من مظاهر الإسلام كالمدارس والمساجد والمنابر والسنن الحسنة ودفع البدع، كل هذه من بركات آل سلجوق. انظر مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة مشهد: العدد ٥٦، ص ٧٤٤٧٤٥، نقلًا عن كتاب النقض وسياستنامه. ويمكن مشاهدة أمثلة كثيرة من هذا القبيل في التاريخ الشيعي، بينما لا نجد الحالة المعاكسة لها إلا ما ندر، فمثلًا رفض السلطان العثماني محاولة لنادر شاه عام( ١٧٤١) في إقناع السلطان الاعتراف بالمذهب الشيعي كمذهب خامس مقابل الاعتراف به كخليفة للمسلمين.
[٢] - تعرض الشيعة في الكثير من الحالات إلى الضغط والضرب والقتل من قبل آخرين غير السلاطين، وكان لعلماء السوء الدور الأكبر في ذلك؛ لأنهم كانوا يخدعون عوامّ الناس ويحرضوهم ضد الشيعة أو ضد كل مَن على غير مذهبهم بحجة الدفاع عن الدين:« كانت لأبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري رئيس حنابلة بغداد آراء خاصة ويواجه بشدة كل مَن يخالف آراءه وعقائده، ويدفع أنصاره للتعامل مع الناس بقسوة تصل إلى حد سلب البيوت وعرقلة البيع والشراء وإرهاب كلِّ من يرفض أقوالهم.
ومن جملة أعمال البربهاري: أنه منع النياحة وقراءة المراثي على الإمام الحسين( ع) وزيارة مرقده في كربلاء، كان يأمر بقتل النائحين، ومنهم نائح معروف ب-" خِلْب" وكان حاذقاً في عمله حسن الصوت يقرأ قصيدة في رثاء الإمام الحسين( ع) تبدأ بالبيت التالي:
أيها العينان فيضا واستهلا لا تغيضا
وقد سمعناه( التنوخي) يقرأها في بيت أحد الرؤساء، وخوفاً من الحنابلة، لم يكن يتجرّأ آنذاك أي أحد على النياحة على الإمام الحسين( ع) إلا في الخفاء أو الالتجاء تحت قدرة السلطان. ولم تكن النياحة سوى رثاء للإمام الحسين وأهل البيت( عليهم السلام)، دون أن تتعرض إلى السلف، ورغم ذلك فقد أمر البربهاري البحث عن النائح وقتله». وهابيان: ٢٦. ثمة أمثلة اخرى على هذا المنحى للبربهاري وأنصاره في المصدر نفسه: ٢٦٣٣. وعن منازعته مع أبي الحسن الأشعري وآرائه وعقائده ومواقفه وعاقبته لاحظ طبقات الحنابلة: ٢/ ١٨٤٥.