الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٦٠ - العودة
وتمثّل الحركة الإسلامية الموجودة في الحقيقة نموذجاً لمقاومة هذا الدين أمام اكتساح المدنية الجديدة للعالم، ويكمن هدفها الأول في حماية العالم الإسلامي من هذا الاكتساح وهو أمر طبيعي، أمّا الاستثناء فهو يكمن في غياب هذا التيار، لا في وجوده. وإذا لم تُبدِ الأديان والثقافات الاخرى مثل هذا التحرك أو لم تتحمس لمثل هذا الهدف كما يتحمس له الإسلام فهو بسبب عدم معارضتها في ذاتها لعالمية المدنية الجديدة، أو بسبب عدم احتوائها على قيم ومعايير ملزمة في حدود انتشارها، أو بسبب قدرتها على تكييف هذه القيم والمعايير مع نظام قيم المدنية الجديدة[١].
لابدّ أن نضيف هنا بأنّ التحولات الداخلية للمجتمع الإسلامي في القرن الأخير وفّرت القوى المادية اللازمة لتحقيق مثل هذه المواجهة، فحوادث الفترة الأخيرة والضربات المستمرة التي تلقّاها المسلمون من المدنية الجديدة بلورت الفكر والعقيدة والشخصية الإسلامية بشكل مكَّن المسلمين من وضع أنفسهم بتصرف هذه النهضة العظيمة.
إنّ دراسة الفكر الإسلامي خلال المرحلة الأخيرة هو أفضل سبيل لفهم الملاحظة أعلاه؛ إذ أن المسلمين وفي العقود الاولى للمواجهة بين الإسلام والمدنية الجديدة قد فوجئوا واصيبوا بالهلع بحيث لم يفكروا دفاعاً عن دينهم سوى في إثبات انطباقه وتماثله مع المدنية الجديدة، وكانوا يحاولون إثبات هذا التشابه بردّ متواضع مقرون بالاعتذار، أمّا الجيل التالي فقد سعى لبيان عقائده باعتمادٍ على النفس أكبر من سابقه، ولم يكن هدفه الدفاع عن الإسلام بطريق إثبات انطباقه مع معايير
[١] - حول تعامل المسيحية مع المدنية الصناعية، والرسالة التي يحملها والتي يمكن أن يحملها هذا الدين للجيل الحاضر راجع الكتاب التالي لأحد كبار العلماء المسيحيين المعاصرين:
On Being a Christian, pp. ٥٢- ١٥: ٩٨- ٢١١: ٤٥٥- ١٠٦.