الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢١٠ - إشاعة المذهب الجبري
يمثل جوهر الإسلام والقرآن[١].
فماذا ابتغى بنو امية من وراء ذلك؟ ولِمَ عملوا على نشر هذه الفكرة وإشاعتها؟
ذكرنا سابقاً أنهم كانوا يطمحون من الناس الطاعة والسكوت والتبعية دون أن يفتحوا فاهاً للنقد والاحتجاج والاعتراض على ممارساتهم وظلمهم، وضربهم للدين بعرض الحائط، وتجاوزهم للحدود الإلهية، واستيلائهم على بيت المال وإنفاقهم منه على أهوائهم ومجونهم وعدم وقوفهم بوجه تجاوزات ولاتهم. وكانوا يرغبون في فرض حكم مطلق دون أن يقف بوجههم حائل أو يمنعهم مانع ورادع، فقد أسكرتهم طبيعتهم البدوية وصفاتهم الجاهلية والثروة العظيمة والإمكانات الكثيرة والقدرة اللامتناهية والشهوة اللامحدودة وحقارة النفس إلى جانب الرغبة في الإشباع المطلق لها، ولم يعودوا يفكروا سوى بالاستجابة لميولهم وأهوائهم، فقد أصبحوا على رأس أكبر إمبراطورية بعد أن كان آباؤهم لا يطيقون رؤية أحمال عدد من الجمال وينظرون إليها بعين الحسد. ولم يكن هذا السلوك غير الطبيعي اللا معقول شيئاً غريباً بعيداً عن الانتظار[٢].
وكيف يتسنى للحاكم سواء كان خليفة أم قائداً أم والياً أن يحكم بمطلق الحرية مع تحديدات الضوابط الشرعية التي يعتقد بها الناس؟ فلم يكن المجتمع الإسلامي مجتمعاً جاهلياً خالياً من أي قانون وضابطة، وبالتالي فإنه لم يستطع أن ينقض الإسلام صراحة لأنه يستمد شرعيته منه، إذ كان بإمكانه أن يتجاهل
[١] - لاحظ أمثلة لهذا الفكر في كتاب السنّة لأحمد بن حنبل.
[٢] - أشار الإمام علي( ع) في خطب عديدة إلى الظروف المعاشية العسيرة التي مرّ بها عرب الجاهلية، انظر كمثال خطبته بعد انتخاب عثمان برواية كنز العمال: ٥/ ٧١٨، وصف فيها معاشر العرب أضيق الامم معاشاً وأهشّهم رياشاً أي لباساً. وانظر خطبة اخرى له( ع) في كتاب الغارات: ١/ ٣٠٢.