الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٢٥ - التحول في فهم الدين
البرهة وما بعدها هي هذه النظرة المقرونة بالقداسة للصدر الإسلامي الأول[١]، فلو تلاشت هذه النواة لانتهى بنيانهم الاعتقادي، ولهذا لم يكن بمقدور المعتزلة ولا غيرهم مواجهة هذا المعتقد، ولم يكن الكلام يدور حول الرأي الصائب والرأي الخاطئ، فقد تبلورت أذهان شريحة واسعة من المجتمع وعددٍ يُعتدّ به من الفقهاء والمحدّثين على هذه الطريقة، فيما كانت الحاجة قائمة إلى هذا الطور من التفكير؛ لأن زواله يعني انهيار شخصياتهم من الداخل فضلًا عن انهيار إيمانهم بسبب غياب عقيدة اخرى تحلّ محلّها. فقبول نظريات المعتزلة كان يعني تفتيت كل البنية الاعتقادية لأهل السنّة، دون أن يحلّ البديل؛ ذلك أن المعتزلة لم يكونوا في موضع الثقة والاعتماد، كما أن كلامهم لم يكن بتلك الدرجة من الصراحة التي تجعله سائغاً قابلًا للفهم، خاصة وأنهم يفتقدون إلى مذهب مدوّن ثابت، ولكلٍّ منهم نظرة متباينة عن الآخر[٢].
[١] - ينقل عبد الهادي الحائري عن المستشرق الانجليزي المعروف واط في ذكر سبب إضفاء القداسة على الصدر الأول مايلي:« في العقود الأخيرة من القرن ٣/ ٩ أصبح من الواضح لدى معظم المسلمين بأن الوسيلة الوحيدة لحفظ الهوية الإسلامية هو تعزيز صلتهم بتاريخ الإسلام الماضي، أو على الأقل بالفترات الاولى للإسلام، وفي أواخر القرن المذكور اختار معظم المنتمين إلى الحركات الدينية المختلفة المذهب السني على الاختلافات الموجودة فيه، وكان هذا الاختيار يعني تبجيل جميع الصحابة بمن فيهم عثمان الذي كان موضع شكوك طوائف من المسلمين السابقين حول كفاءته في الخلافة ...». مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مشهد: العدد ٥٦، ٧٣٣.
[٢] - من المشكلات الكبرى للمعتزلة أنهم أخذوا بتدوين معتقداتهم تدويناً نهائياً في الوقت الذي بدؤوا فيه بالاضمحلال لأسباب سياسية واجتماعية وفكرية ودينية مختلفة. ويمكن ملاحظة ذروة هذا النضوج في كتب القاضي عبد الجبار. وغير كتاب المغني الذي غفل عنه علماء أهل السنّة رغم عظمته وأهميته، ولم يكتشف أمره إلا في العقد الخامس من القرن الحالي في مركز الزيدية المعتزلة في اليمن، راجع الاصول الخمسة الذي يعدّ من أفضل كتب الفكر المعتزلي ويستند على الاسس الشرعية والقرآنية أكثر من الكتب المتقدمة عليه. فلو أن هذه الكتب كانت قد دخلت الميدان الفكري قبل كتب أبي الحسن الأشعري أو في وقت متزامن معها لما تمكن الأشاعرة من فرض نفوذهم بهذا الشكل. وحول أسباب نجاح الأشعري والظروف التي رافقت نزوله إلى الساحة راجع محاوراته مع كبير حنابلة بغداد البربهاري، طبقات الحنابلة: ٢/ ١٨١٩.