الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٥٤ - سعة دار الإسلام
هذين العدوّين أن ينتهز الخلاف الفكري الداخلي الذي يجرّ إلى الصراع والتنافس وحتى القتل وإراقة الدماء، ويزيد من الطين بلّة، ويساعد على سلب الأمن وزيادة التوتر في المجتمع.
ومن المناسب هنا أن ننقل جانباً من آراء ابن أبي الحديد برواية محمد أبو زهرة حول أسباب الطائفية في العراق الذي مثّل نموذجاً لطائفية المسلمين طوال تاريخهم وعلل ظهورها: «والعراق كان موطن الفرق الإسلامية كلها؛ وذلك لأنه ملتقى حضارات قديمة، ففيه علوم الفرس، وعلوم الكلدان، وبقايا حضارات هذه الامم. وقد ضمّت إلى هذا فلسفة اليونان، وأفكار الهنود، وامتزجت هذه الأفكار في العراق بالمناهج الإسلامية فكان لهذا منبت الفِرق الإسلامية. وقد قال ابن أبي الحديد في بيان السبب في أن الفرق كانت بالعراق: ومما ينقدح لي في الفرق بين هؤلاء القوم وبين العرب الذين عاصروا رسول الله (ص): أن هؤلاء من العراق وساكني الكوفة، وطينة العراق مازالت تنبت أرباب الأهواء وأصحاب النحل العجيبة والمذاهب البديعة، وأهل هذا الإقليم أهل بصر وتدقيق ونظر وبحث عن الآراء والعقائد، وشبه معترضي المذاهب، وقد كان منهم في أيام الأكاسرة مثل: ماني وديصان ومزدك وغيرهم، وليست طينة الحجاز هذه الطينة، ولا لأذهان أهل الحجاز هذه الأذهان»[١].
يصحّ كلام ابن أبي الحديد حول العراق على الكثير من المناطق الإسلامية الاخرى، فالأسباب التي أوجدت الفرق المختلفة في العراق أو ساعدت على نموها كانت قائمة في جميع الأراضي الإسلامية الاخرى، فقد قُدّر لهذا الدين أن ينتشر في مناطق كانت مهداً للثقافات والحضارات العريقة.
في مثل هذه الأوضاع لابد أن يحوم التفكير حول الأمن والسلطة القادرة
[١] - الإمام زيد لمحمد أبو زهرة: ١٠٨١٠٩.