الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٧٢ - سبل ظهور الجهد الثوري
للإنسان، الأمر الذي يريده الإسلام أيضاً للبشرية، لكنه يختلف عن الأديان الاخرى في أنه يعتبر أنّ الفلاح والسعادة الفردية تتحقق في ظل العمل الاجتماعي الذي يتقدم بأهداف هذا الدين وغاياته.
والهدف النهائي هو أن يحقق هذا الدين أهدافه الاجتماعية، ولا ينال الإنسان السعادة المرجوّة إلا حينما يوقف نفسه في سبيل تحقيق هذا الهدف، وبالتالي فإن الإسلام يستطيع بكفاءة أكبر من الأديان الاخرى أن يحرك الاستعدادات الكامنة في الإنسان ويستثمرها لصالح تقدمه الاجتماعي والسياسي؛ لهذا يرغب المسلم في استخدام كل قواه والتضحية بالممكن من أجل إعلاء كلمة دينه، لأن هذه الرغبة تحقق له غاية الفلاح والسعادة، بينما يتحقق هذا الفلاح في الأديان الاخرى من خلال الرياضة النفسية أو الأعمال الفردية والجماعية أحياناً، ولكن ليست بسعة الأعمال الجماعية في الإسلام. المهم أن الدين الإسلامي قادر على تحريك القوى الباطنية للمسلم وتنميتها وبث روح التضحية فيه واستثمار هذه القوى[١]، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من التوضيح.
[١] - منذ اليوم الأول لظهور الإسلام وإلى يومنا هذا استطاع هذا الدين أن يوظّف أتباعه والشبان بخاصة لخدمته، وتعود مثل هذه الآلية بالدرجة الاولى إلى خصائص الدين نفسه وانسجامه مع الأبعاد الإنسانية للإنسان. تأمّل في الفقرة التالية المستلّة من خطبة أبي حمزة الخارجي لأهل الحجاز لانتقادهم له بسبب صغر أتباعه:« يا أهل الحجاز، أتعيِّرونني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب؟ وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا شباباً؟ .. شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة أي أن العبادة قد أخذت منهم حتى جعلتهم ضئال الأجسام وأطلاح سهر أي أن طول السهر في العبادة وقيام الليل قد أخذ منهم حتى أهزلهم فنظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلّما مرّ أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأنّ زفير جهنم بين اذُنيه، ... حتى إذا رأوا السهام قد فُوّقت، والرماح قد اشرعت، والسيوف قد انتُضيت، ورعدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت، استخفّوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشاب منهم قدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من كفٍّ زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله». البيان والتبيين: ٢/ ١٠٢ و ١٠٣. هذا الوصف للشباب عن دينهم وتضحياتهم في سبيل الله يصحّ إلى حد ما على شبان مختلف الأزمنة، انظر أعداد مجلة النذير الصادرة عن الإخوان المسلمين في سورية، وكذلك الكتب التي تناولت جماعة" فدائيان إسلام" ومعنوياتهم، و" بيامبر وفرعون".