الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٩٥ - تطورات عميقة وسريعة
تطورات عميقة وسريعة:
«... فقد كانوا أبعد الامم عن أحوال الدنيا وترفها، لا من حيث دينهم الذي يدعوهم إلى الزهد في النعيم، ولا من حيث بداوتهم ومواطنهم وما كانوا عليه من خشونة العيش وشظفه الذي ألفوه، فلم تكن امّة من الامم أسغب عيشاً من
مضر لمّا كانوا بالحجاز في أرض غير ذات زرع ولا ضرع، وكانوا ممنوعين من الأرياف وحبوبها لبعدها واختصاصها بمن وليها من ربيعة واليمن، فلم يكونوا يتطاولون إلى خصبها، ولقد كانوا كثيراً ما يأكلون العقارب والخنافس ويفخرون بأكل العلهز وهو وبر الابل يمهونه بالحجارة في الدم ويطبخونه، وقريباً من هذا كانت حال قريش في مطاعمهم ومساكنهم، حتى إذا اجتمعت عصبية العرب على الدين بما أكرمهم الله من نبوءة محمد (ص) زحفوا إلى امم فارس والروم وطلبوا ما كتب الله لهم من الأرض بوعد الصدق، فابتزّوا ملكهم واستباحوا دنياهم، فزخرت بحار الرفَهِ لديهم حتى كان الفارس الواحد يقسم له في بعض الغزوات ثلاثون ألفاً من الذهب أو نحوها، فاستولوا من ذلك على ما لا يأخذه الحصر وهم مع ذلك على خشونة عيشهم، فكان عمر يرقع ثوبه بالجلد، وكان عليّ يقول: يا صفراء ويا بيضاء غرّي غيري، وكان أبو موسى يتجافى عن أكل الدجاج لأنه لم يعهدها للعرب لقلتها يومئذ، وكانت المناخل مفقودة عندهم بالجملة وإنما يأكلون الحنطة بنخالها، ومكاسبهم مع هذا أتمّ ما كانت لأحد من أهل العالم.
قال المسعودي: في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال، فكان له يوم قُتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائتا ألف دينار، وخلّف إبلًا وخيلًا كثيرة. وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك. وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً.