الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٥٢ - نحو الأصالة
السوفيتي، رغم أنّ آلية عمل هذه الرغبات في الجمهوريات المذكورة يختلف مع آلية عملها في جمهوريات حوض البلطيق، ويعود هذا الاختلاف إلى أنّ الإسلام الذي يدين به سكان الجمهوريات الجنوبية يحمل قيماً متفاوتة بل ومتضادة مع قيم الثقافة الجديدة وتراث الماركسية من ناحية، وإلى الجوهر الثقافي الذي جاء به هذا الدين من ناحية ثانية[١].
فقد ترعرعت ثقافة حوض البلطيق في أحضان المسيحية وبشكل رئيسي المذهب الكاثوليكي، ولهذا انسجمت مع الثقافة الجديدة أكثر من انسجام الثقافات السائدة في الجمهوريات الجنوبية. ورغم أنّ طبيعة الميل إلى الاستقلال في الجمهوريات الجنوبية تنطلق في الأصل من البعد القومي والثقافي، لا الديني، لكن كون هذه الثقافة إسلامية وليست مسيحية فإنها تختلف في نواحي عديدة مع دوافع العودة إلى الأصالة والاستقلال لدى دول حوض البلطيق.
ما ذكرناه لا يعني إلغاء دور العوامل السياسية والدولية والاقتصادية والعوامل الاخرى نظير الرغبة بالتحرّر وبلوغ مستوىً مماثل من الرفاهية مع الغرب، وإنما أردنا التأكيد على أحد أهم وأخطر عوامل التغيير في بلورة المرحلة الحاضرة وأسباب ظهورها، والفرق بينها وبين ظهور الميول المشابهة لها في العالم الثالث.
نحو الأصالة:
بهذا بدأت عملية التوجّه نحو الأصالة، أو بكلام أصحّ التسارع نحوها، وسحبت تحت مظلّتها كل المعارضين للسلطة السياسية الحاكمة؛ ذلك أن هذا الفكر كان أكثر الأفكار تقدميةً في هذه المرحلة التاريخية، كما كان من أكثر الأفكار الاجتماعية والسياسية استقطاباً للأنصار، ولهذا السبب بالضبط تجمعت تحت مظلّته قوى مختلفة تعاني من حالات العصيان، وهي حالات يمكن مشاهدتها
[١] - عن محاولات التوفيق بين الإسلام والماركسية من قبل المبلّغين المسلمين في الاتحاد السوفيتي ونتائجه القريبة والبعيدة المدى راجع: امبراطوري فروباشيده: ٢٧٨ ٢٦١.