الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٢٨ - مفهوم العدالة
لابدّ أن نقول بصورة مجملة: إنّ ثلاثة عوامل مهمة لعبت دورها في هذا المجال: أولها: اختلاف مفهوم العدالة عند السنّة عن مفهوم العدالة عند الشيعة فقهياً وكلامياً وفلسفياً، وثانيها: مفهوم الحكومة والدولة قديماً ومسؤوليتها، وثالثها: الحقائق والضرورات التاريخية.
سنبحث فيما يلي كل عامل من هذه العوامل الثلاثة على انفصال.
مفهوم العدالة:
من الواضح أن مفهوم العدالة عند الشيعة يتباين عنه عند السنّة، ورغم أن هذا المفهوم عند المعتزلة قريب من الشيعة أو مشابه له في بعض الحالات إلا أن تفسير الأشاعرة له يختلف كلياً، وقد انتظم فقه أهل السنّة تحت تأثير هذا المذهب الذي فرض هيمنته على المجتمع.
المهم في ذلك أن الأشاعرة وفي تفسيرهم للعدالة خلعوا عنها أية أهمية، فلم يكن هذا المفهوم لديهم بتلك الأهمية التي تستحق أن يقدموا له تفسيراً آخر، إنما كان تفسيرهم له بشكل يفقده أية أهمية، ولعلّه كان أمراً مقصوداً. فإنكارهم للحسن والقبح العقليين يعني الهبوط بمفهوم العدالة إلى مستوىً متدن بحيث يتكيف مع أي سلوك ظالم جبار، بعبارة ثانية: هبط مفهوم العدالة إلى مستوى الأمر الواقع، وأصبح هذا الأخير هو المعيار وليس المفهوم الأسمى، ولم يعد لتقويم الأمر الواقع على أساس مطابقته لهذا المفهوم أي معنى. فحينما لا يؤخذ بالاعتبار الحسن العقلي والقبح العقلي فهو في الحقيقة تجاهل لمفهوم العدالة، وليس تقديمه بتعريف جديد[١].
[١] - يمكن رؤية مثال عملي على هذا النمط من التفكير في كتاب: العواصم من القواصم لابن العربي، وخاصة هوامش محب الدين الخطيب عليه، فهما يضعان الواقع معياراً في تسويغ السلوك السلبي الصادر عمن يدافعان عنه، فمثلًا ينظران إلى العدالة من خلال الأمر الواقع، لا باعتبارها مفهوماً أرقى يُقوّم به الوضع الموجود. انظر كيفية وصف زياد لمعاوية، وأن إجراءاته تنطوي على بعد سياسي بحت لحفظ السلطة، في: الجوهر النفيس في سياسة الرئيس: ٧٣.
على سبيل المثال يقول ابن العربي في الدفاع عن معاوية لأمره بقتل حجر بن عدي الذي أثار اعتراض الجميع حتى عائشة( علي وبنوه: ٢١٩):« فإن قيل: الأصل قتله ظلماً إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله. قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل. ولو كان ظلماً محضاً لما بقي بيت إلا لُعن فيه معاوية. وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس وبينهم وبين بني اميّة ما لا يخفى على الناس مكتوب على أبواب مساجدها: خير الناس بعد رسول الله( ص) أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين». العواصم من القواصم: ٢١٣.