الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٠٦ - نظرة العرب القدماء إلى الكون
هذه الأسئلة وأمثالها وجَّهها اليوناني إلى نفسه فكانت أساس فلسفته ومبناها كلها النظرة الشاملة. أما العربي فلم يتجه نظره هذا الاتجاه، ولا بعد الإسلام، بل كان يطوف فيما حوله، فإذا رأى منظراً خاصاً أعجبه تحرك له وجاش صدره بالبيت أو الأبيات من الشعر أو الحكمة أو المثل.
فأما نظرة شاملة وتحليل دقيق لُاسسه وعوارضه فذلك ما لا يتفق والعقل العربي، وفوق هذا هو إذا نظر إلى الشيء الواحد لا يستغرقه بفكره، بل يقف فيه على مواطن خاصة تستثير عجبه. فهو إذا وقف أمام شجرة لا ينظر إليها ككل، إنما يستوقف نظره شيء خاص فيها، كاستواء ساقها أو جمال أغصانها، وإذا كان أمام بستان لا يحيطه بنظره ولا يلتقطه ذهنه كما تلتقطه (الفوتوغرافيا)، إنما يكون كالنحلة يطير من زهرة إلى زهرة فيرتشف من كلّ رشفة.
هذه الخاصة في العقل العربي هي السرّ الذي يكشف لك ما ترى في أدب العرب حتى في العصور الإسلامية من نقص، وما ترى فيه من جمال»[١].
يوضح الشهرستاني هذه المسألة بشكل آخر ويقول: «الصنف الثاني حكماء العرب وهم شرذمة قليلة، وأكثر حكمتهم فلتات الطبع وخطر الفكر ... العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد ... والمقاربة بين الامّتين مقصورة على اعتبار خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات، والغالب عليهم الفطرة والطبع. وإنّ الروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد، حيث كانت المقاربة مقصورة على اعتبار كيفية الأشياء، والحكم بأحكام الطبائع، والغالب عليهم الاكتساب والجهد»[٢].
يقول أحمد أمين قبل الفقرة أعلاه التي ثبَّتها في كتابه: «لاحظ بعض
[١] - فجر الإسلام: ٤١٤٢.
[٢] - نفسه: ٤١، نقلًا من الملل والنحل للشهرستاني.