الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٦٣ - العودة
الاستجابة لضرورات المرحلة الجديدة سيتزامن مع انتهاء هذه المرحلة بشكل أو بآخر[١].
[١] - يلزم بنا هنا أن ننبّه إجمالًا إلى ملاحظة مهمة ترتبط بمستقبل الحركة الإسلامية الحاضرة، فللأسف لم يجرِ التطرق إلى هذا الأمر بصورة جادة تنظر إلى الامور بحقائقها إلا ما ندر، الأمر الذي يعدّ نقطة ضعف مهمة في هذه الحركة، وسنحاول فيما يلي أن نوضح بعض الملاحظات.
من المشكلات الأساسية للحركة الإسلامية الحالية: رغبتها بحلّ كلّ معضلاتها في ظلّ الإيمان والتضحية فقط، وهي تتجاهل تقريباً ضرورات الحياة المعاصرة، ولا تفصل بين هذه الضرورات وبين الثقافة والمدنية الغربية. فالمدنية الغربية أو من الأفضل أن نقول: المدنية الجديدة لأنها لم تعد تتعلق بالغرب وحسب، فهي مدنية عالمية، للجميع فيها وفي تحولاتها دوراً شيء، وضرورات الحياة في عالم اليوم شيء آخر، فأيّ مسلم ملتزم بل وأيّ إنسان مؤمن موحّد لا يستطيع أن ينحاز بكلية إلى هذه المدنية، وهو أمر واضح لا يحتاج إلى بحث ونقاش، ولكن يجب ألا ننسى بأنّ الحياة المعاصرة تتطلّب مراعاة بعض الاصول، وبدون الالتزام بها لا يمكن للمرء أن يعيش فيها بعزة واستقلال على الأقل.
ومن جملة تلك الضرورات: النظم والدقّة والسعي والكدّ، والشعور بالمسؤولية، والتوفر على ضمير العمل، وطاعة القانون وعدم تبريره، وتحمّل المسؤولية، وعدم توقّع ما يفوق الطاقة والاستيعاب، وقدرة التكيّف والتعاون الجماعي، والتفكير على أساس العلم والعقل، واتخاذ القرار المدروس، في الامور التي يجب أن يتدخل فيها العلم والعقل والدراسة، فإذا كان المجتمع يُدار في السابق دون الالتزام بهذه الامور، فإنّه أصبح ضرباً من المستحيل في العصر الحاضر. والعجيب أنّ الإسلام يتضمّن تعاليم صريحة ومؤكّدة في كل هذه المجالات، لكنّ التزام المسلمين بها في القرون الأخيرة كان أدنى من التزام أية امّة اخرى بها؛ لأسباب تاريخية واجتماعية وأخلاقية وتربوية ونفسية كثيرة لابدّ أن تشخّص بدقّة.
ومن أهم تلك الأسباب: فهم المسلم لدينه على أنّه دين فردي، فالإنسان الفاضل في العُرف القديم هو العامل بالخيرات فضلًا عن التزامه بالأحكام العبادية، كأن يقوم ببناء مسجد أو مدرسة أو خزّان للمياه أو جسر وأمثال ذلك، ويجعله وقفاً للناس، أمّا في العصر الحاضر الذي يخضع الفهم الديني للناس لتأثير الميول الاجتماعية والثورية فإن الإنسان الفاضل هو الذي يصول في ميدان مواجهة العلمانيين والمعتدين والجبابرة، ولا شك في أنّ كل هذه الأفعال تُعدّ من علامات الإيمان، ولكن في سوى هذه العلامات تغيب مظاهر الإيمان الديني الاخرى عن الحياة الإسلامية، فلا تقاس معايير الفضيلة بالشعور بالمسؤولية، وأداء الواجب بأمانة والتعاون المخلص مع زملاء العمل في الأشغال الجماعية التي تقتضيها الحياة الصناعية الحالية، وعدم التسبّب في العمل وعدم التدخّل في مالا يعني.
حقيقة الأمر أنّ هذه المفاهيم مجهولة في صفوفنا، ولا ترتبط بالدين والتكليف الديني، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؛ إذ أنّ السلوك المعاكس لها هو الذي يفرض سلطته على مجتمعاتنا، والأسوأ من هذا أن هذه المفاهيم استقرت في الأذهان، ولا ينظر إليها على أنها تناقض تعاليم الدين والإيمان والإخلاص الديني.
وما لم نجد حلًا أدنى لهذه المشكلة فإنّ المجتمع لا يمكنه أن يطوي طريق التقدم والازدهار. وكما أشرنا فإنّ هذه المشكلة لا تختصّ بمجتمع إسلامي دون آخر، وإنما تعاني منها جميع المجتمعات الإسلامية والحركة الإسلامية في العصر الحاضر، ولن تنفع التضحية الفردية في علاج مشاكلنا رغم ضرورة توفر هذا الشرط، إذ ينبغي أن ترتبط هذه التضحية مع الاصول والقيم التي تتطلبها الحياة في هذا المقطع التاريخي؛ لأنّ مستقبل الامّة الإسلامية الزاهر رهين بهذا الارتباط بالشكل الذي لا يضرّ بمبادئ الدين، ولا يهبط بهذه المفاهيم بحيث يسوغ بل تسبغ المشروعية على أيّ انتهاك للقانون وعدم شعور بالمسؤولية وفوضوية وتقاعس ولا مبالاة، ويمكن القول بأنّ البلدان الإسلامية الواقعة شرق إيران أقلّ معاناة من هذه المشكلة، وكلّما توغّلنا شرقاً كلّما تقلّصت هذه المشكلة، فعلى سبيل المثال نلاحظ: أنّ الأتراك سواء في إيران أو خارجها أقل ابتلاءً من الإيرانيين بهذه المشكلة لأسباب كثيرة، وتتعمّق هذه المشكلة وتتعقد في العالم العربي كما هو الحال في إيران، والأمر بطبيعة الحال نسبي يتبع مكانة البلد ووحدته الوطنية وتجربته الاستعمارية ونوع الحكم الفعلي. للمزيد من الاطلاع انظر:" آفريقا، ميراث كذشته وموقعيت آينده"( افريقيا، تراث الماضي ومكانة المستقبل): ٨٦ ٨١، وأيضاً الكتابين التاليين لأحد أبرز المتخصصين في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي، ضياء الدين سردار:
The Future of Muslim Civiliza tion Islamic Future.