الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٢٢ - فكرة الإرجاء
وفِكر كفكر الإرجاء كان مرغوباً به بسبب الظروف الاجتماعية والثقافية والعطش النفسي والطبيعة الجاهلية، ولهذا انهال عليه الكثير من الناس متلهّفين حينما دخل معترك الميدان الاجتماعي، وبالطبع فإن السلطة الاموية لم يَسؤْها دخول هذا التيار لسببين: الأول: لانسجامه مع أهوائها وميولها، وحينما تتجه الامّة نحو الإباحية والتحلل واللهو تجاوز القيود الأخلاقية والدينية فلن يعد بإمكانها أن تتعرض للسلطة بالنقد. الثاني: أن انتشار فكرة تجزئة العمل عن الإيمان وعدم الإضرار به يمنح السلطة الاموية الحصانة التي تطلبها، فلا ضير أن يتصف الحاكم أو ولاته بالفسق والفجور ويتعدى الحدود ويعاقر الخمر طالما لم يتضرر إيمانه من عمله، هذا العمل الذي لا يخرجه عن دينه ولا يؤثر في منزلته الإيمانية والمعنوية! فيستطيع الحاكم وبسهولة أن يرد على منتقديه ويكمّ أفواههم أمام الرأي العام؛ لأن غاية ما يتوسل به المنتقدون هو الطعن في إيمان الحاكم وتقواه بسبب الممارسات التي يرتكبها مما يسلبه صلاحية خلافة الامّة[١].
[١] - الحقّ أن الفسق والفجور والفساد انتشر بين الامويين وولاتهم بصورة فاحشة، بحيث أصبح من المتعذر استمرار حكمهم إلا باللجوء إلى السبل التي تبرِّئ ساحتهم وتبرر سلوكياتهم كإشاعة فكر الإرجاء مثلًا، وفيما يلي نذكر مثالين على ذلك:
كان يزيد بن عبد الملك بن مروان وامّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صاحب لهو ولذة، وقد تولى الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز، وهو صاحب حبابة وسلّامة، وهما جاريتان كان مشغوفاً بهما، وماتت حبابة فمات بعدها بيسير قيل: بسبعة عشر يوماً أسفاً عليها، وكان قد تركها أياماً لم يدفنها؛ لعدم استطاعته فراقها، فعوتب على ذلك فدفنها، ويقال: إنّه نبشها بعد الدفن حتى شاهدها. مآثر الإناقة في معالم الخلافة: ١/ ١٤٥١٤٦.
وروى صاحب الأغاني« أن الحارث بن خالد المخزومي ولاه عبد الله بن مروان مكة، وكان الحارث يهوى عائشة بنت طلحة، فأرسلت إليه: أخِّر الصلاة حتى أفرغ من طوافي! فأمر المؤذِّنين فأخّروا الصلاة حتى فرغت من طوافها، وأنكر أهل الموسم ذلك من فعله وأعظموه، فعزله». فجر الإسلام: ٨٢، نقلًا عن الأغاني: ٣/ ١٠٣. انظر أيضاً وصف أبي حمزة الخارجي ليزيد بن عبد الملك في خطبة له بمكة، فقد كشف عن فساده وإسرافه وعلاقته بحبابة وسلامة، في البيان والتبيين: ٢/ ١٠١.
وقد اضطرّ المتطرفون من أهل السنّة إلى تخطئة الكتاب والمؤلف لما فيه من فضح لفسق الخلفاء الامويين والعباسيين وفجورهم. من القدماء، انظر: العواصم من القواصم: ٤٩٢٥١، ومن المعاصرين: مؤلفات في الميزان: ١٠٠١٠٣.