الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٠٣ - مسألة القضاء والقدر
طاعته. ولا بد من القول بأنّ عرب الجاهلية كانوا يفتقرون إلى هذا الحد الأدنى من النضج الفكري والعقلي؛ ذلك أن البيئة الحياتية والاجتماعية والخلفية التاريخية والثقافية لهم كانت بعيدة عن التغيرات التي تؤدي إلى مثل هذا النضج.
وقد قلنا بأنهم كانوا لا يحملون تصوراً واضحاً لمفهوم العلّية، ورغم معرفتهم المجملة به لكنّهم كانوا عاجزين عن اكتشاف العلاقة بين العوامل المختلفة، ولهذا انتشرت بين صفوفهم الخرافات والطيرة والكهانة بأسْفَهِ صورها. ولا ننكر أن الخرافات تعشعش في كل قوم وشعب، لكن الذي كان سائداً بين عرب الجاهلية أكثر من مجرد خرافات ناشئة عن الحاجات الروحية والنفسية المكبوتة أو غير المكبوتة، بل كانت ناجمة عن البلاهة والسفاهة وتعطيل العقل. ومن المناسب هنا أن ننقل جانباً من الوصف الدقيق لأحمد أمين حول الحياة العقلية للعرب في الفترة الجاهلية:
«... في مثل هذا الطور الذي كانت تمر به العرب في الجاهلية يتجلى ضعف التعليل، أعني عدم القدرة على فهم الارتباط بين العلّة والمعلول والسبب والمسبب فهماً تاماً. يمرض أحدهم ويألم من مرضه فيصفون له علاجاً، فيفهم نوعاً ما من الارتباط بين الدواء والداء، ولكن لا يفهمه فهم العقل الدقيق الذي يتفلسف، يفهم أن عادة القبيلة أن تتناول هذا الدواء عند هذا الداء، وهذا كل شيء في نظره؛ لهذا لا يرى عقله بأساً من أن يعتقد أن دم الرئيس يشفي الكلب، أو أن سبب المرض روح شرِّير حلَّ فيه فيداويه بما يطرد هذه الأرواح، أو أنه إذا خيف على الرجل الجنون نجّسوه بتعليق الأقذار وعظام الموتى، إلى كثير من أمثال ذلك، ولا يستنكر شيئاً من ذلك ما دامت القبيلة تفعله، لأن منشأ الاستنكار دقة النظر والقدرة على بحث المرض وأسبابه وعوارضه، وما يزيل هذه العوارض، وهذه درجة لا يصل إليها العقل في طوره الأول.
هذا الضعف في التعليل هو الذي يشرح لنا ما ملئت به كتب الأدب من