الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٢١ - فكرة الإرجاء
فمن خصائص الفترة الجاهلية: كراهية الناس لأي نوع من القيود والقوانين والضوابط، إذ كانت الثقافة الجاهلية ثقافة حرة غير مقيدة بقانون، وثقافة إباحية شهوانية متحللة. وكانت الظروف حينذاك تقتضي مثل هذه الثقافة التي ناقضها الإسلام من جميع جهاتها كما تدلّ على ذلك الدلائل والشواهد الموجودة. فرغم أن الدين الإسلامي استطاع أن يعمل على إجراء تغييرات مهمة، لكن الثقافة التي ربّت أبناءها على قيمها وخصوصياتها أقوى من أن تتراجع بهذه السرعة وتنسحب لصالح ندّها، إلا أنها لم تكن بتلك القوة التي تستطيع أن تفرض هيمنتها ثانية وتقضي على عدوها، وإنما استطاعت على الأقل أن تواصل حياتها متستّرة بلباس من الدين نفسه[١].
إنّ الطبيعة الشهوية للأعراب، ورفضهم لأية حدود أو قيود، والإمكانيات الواسعة والثروة الطائلة التي انهمرت عليهم من الأراضي المفتوحة، والجواري الحسان والغلمان[٢] الذين وقعوا في أسرهم، وتعرّفهم على وسائل الترف واللهو التي كانت لا تخطر لهم على بال، كل هذه العوامل خلقت ظروفاً دفعت الناس للالتجاء إلى مستمسك يخفف عنهم وطأة ضغوط الباطن وتأنيب الضمير ويوفر لهم الغطاء الشرعي في ارتكاب ما يشتهون. والحق أن رغبة الناس في التحلل واتّباع الهوى في العهد الاموي لم تكن أقل من بني امية أنفسهم (راجع كتاب الأغاني)[٣].
[١] - عن خصائص الثقافة الجاهلية انظر: فجر الإسلام: ١- ٦٦.
[٢] - قال رجل من أبناء المهاجرين:« أبناء هذه الأعاجم كأنهم نقبوا الجنة وخرجوا منها، وأولادنا كأنهم مساجر التنانير»، والمساجر جمع مسجرة، وهي الخشبة التي يقلّب بها الوقود في التنور فتسودُّ من كثرة الدخان. عيون الأخبار: ٤/ ٤٠.
[٣] - غير كتاب الأغاني، انظر مثلًا: ديوان أبي نؤاس. الغريب أن الغناء شاع في المدينة بشكل كبير، بحيث أخذ الكوفيون يصفونها بأنها مدينة الغناء والموسيقى في مقام الطعن بها، ولزوم تعلم الفقه في الكوفة وعند الحنفيين. كمثال راجع أشعار الهجاء الكوفية في: الأئمة الأربعة: ٢ و ٩ و ١٠. وقد انتشر الغناء في مكة والمدينة زمن يزيد. فجر الإسلام: ٨١. الطريف أن فرداً كالبربهاري وهو من أعلام الحنابلة ينقل عن عبد الله بن مبارك ويوصي بما ينقله عبارة يصف بها كل قوم بوصف معين يفهم منها انتشار التشيع في أهل الكوفة، والقدرية في أهل البصرة، والإرجاء في أهل خراسان، والصرف في أهل مكة، والغناء عند أهل المدينة. انظر طبقات الحنابلة: ٧.