الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١١ - مقدمة المترجم
هذه الامور، لكننا نصحح هنا ونقول: إنّ الحوار النزيه البنّاء الذي يُعقد بين قادة المذاهب والمجموعة الواعية المثقفة المدركة للمخاطر هو غير الحوار الذي ينزل إلى الجمهور الذي يضمّ المخلصين من المسلمين، كما يضم المندسّين بين صفوفه والذي ينتهي إلى مثل تلك المعارك المأساوية، رغم أن القيادات لم تكن في كل الأحوال مستعدة لمثل هذا الحوار الهادئ، وأن تصرفاتها في بعض الأحيان كانت أسوأ من تصرفات جمهورها، لأنها هي التي كانت توجّه إلى التخريب والفساد والتكفير.
لم يكن مثل هذا التكتم ليساعد على دفع الجهود المخلصة إلى الأمام إلا لفترة محدودة تتلاشى بعدها تلك الجهود سُدى، ولم يتعدّ تأثيره تأثير المخدر الموضعي الذي سرعان ما يزول ويعود الألم إلى الجسد المريض، كما لم يجد الخطاب المستلّ من مسلّمات مذهب معين والموجّه إلى مذهب آخر دون الأخذ بعين الاعتبار معتقداته وآرائه ومسلّماته ودون اللجوء إلى فسحة التحليل والدراسة الواعية وتحكيم العقل والنقاش المتجرد عن التعصب الأعمى أُذناً صاغية، فبرزت الضرورة إلى الانفتاح والمكاشفة وتحديد نقاط الالتقاء والافتراق، لتجتمع الكلمة عند نقاط الالتقاء، وتترك نقاط الافتراق إلى كبار القوم لتناقش بهدوء، وتطرح بشكل مسند مدعوم يقدّم كل جانب وثائقه من الكتاب والسنّة، ويُصار إلى إعمال العقل في المسائل التي تتطلب ذلك.
إذن فالخطوة الاولى هي المعرفة النزيهة للآخر، أي أن يعرف مثلًا الشيعي أخاه السني، ويعرف السني أخاه الشيعي معرفة حقّة بأفكاره ومعتقداته ومبادئه وآرائه دون أن تؤثّر في هذه المعرفة دعايات المغرضين وإشاعات الجاهلين.
ولعلّ من أهم عناصر التكوين المذهبي المستقل بين السنّة والشيعة هي مسألة السلطة الدينية السياسية، أي بالتعبير المعروف الإمامة والخلافة، إذ برز هذا العنصر كعلامة فارقة منذ الصدر الأول للإسلام، وإن كانت هذه العلامة ليست بالتعقيد الذي آلت إليه فيما بعد، حيث مرّت بالمسلمين مخاضات عسيرة عبر