الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٨٠ - أيديولوجية النظام الحاكم
هذا الحضور على أبعاد ثقافية ودينية أيضاً، مما ضاعف في التشتّت السياسي والاجتماعي رغم نتائجه الإيجابية الكثيرة[١].
أدت هذه الظروف إلى هبوط قدرة العباسيين مقارنة بالامويين[٢]، ليس بسبب قلة كفاءة الخلفاء العباسيين أو عدم تشددهم واستبدادهم أحياناً قياساً بالامويين، وإنما بسبب تبدل الأوضاع والظروف، فظروف الفترة العباسية لم تكن تسمح باتباع السياسة الاموية حتى لو كان الامويون أنفسهم يحكمون في هذه الفترة.
المهم هنا أن هذه الظروف تركت أثرها على البناء الفقهي والكلامي لأهل السنّة، بمعنى أن ضعف القدرة العسكرية للخليفة أدت به إلى التشبث بالدين لتعزيز مكانته، ليسد الدين الثلمة في القدرة التي لم يعد بالإمكان سدّها بالسيف.
وهذا لا يعني بأن جميع العلماء الذين ساروا في هذا الاتجاه كانوا من علماء البلاط أو أنهم طمعوا في كسب بعض المصالح، فلا ريب في أن بعضهم شخّص هذا العلاج كطريق وحيد لحماية الدين وتحقيق الأمن بعد أن رأى أن المهم في تلك
[١] - يمكن معرفة مدى تغلغل الأعاجم لا سيما الفرس في البلاط العباسي أوائل عهده من الرواية التالية:« حكي أن المنصور تقدم إلى موسى بن جعفر عليهما السلام إلى الجلوس للتهنئة في يوم النيروز وقبض ما يحمل إليه، فقال: إني فتّشت الأخبار عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله فلم أجد لهذا العيد خبراً، وإنّه سنّة الفرس، ومحاها الإسلام، ومعاذ الله أن يحيي ما محاه الإسلام. فقال المنصور: إنما نفعل هذا سياسة للجند ...». جواهر الكلام: ٥/ ٤٢.
[٢] - في أوائل القرن الرابع الهجري كانت معظم أراضي الدولة العباسية تتبع حكومات محلية مستقلة إلى حدٍّ ما لا ترتبط بالعباسيين إلّا ارتباطاً ظاهرياً يتمثل في ذكر اسم الخليفة في الخطبة، ولهذا فقد اقتصرت حدود الحكم العباسي عملياً على بغداد وجزء صغير من العراق. انظر نظام الوزارة في الدولة العباسية: ١٩.