الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٩١ - الظرف الجديد
الظرف الجديد:
واجه عمر في أواخر عمره مثل هذه المشاكل، وتدنّى نفوذه في المجتمع لا بسبب شخصيته، وإنما نشأ عن الظرف الجديد، فقد تغيّر المجتمع، وتضاعفت تبعاً
لذلك مطاليب الناس، كما زاد استياؤهم، ولم يكن بمقدور عمر أن يستجيب لها ولا أن يطيقها. ففي آخر عودة له من الحج إلى المدينة خاطب الناس قائلًا: «قد بلغني أنّ فلاناً عبد الرحمن بن عوف قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلاناً، فلا يغرّنّ إمرَءاً أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمّت، وإنها قد كانت كذلك، ألا إنّ الله قد وقى شرّها، وليس فيكم من تنقطع الأعناق عليه مثل أبي بكر ...»[١].
ودليلنا إلى ذلك: كيفية وصية عمر مقارنة بسلفه، فقد نصّب أبو بكر عمرَ للخلافة دون أية مشكلة، لكن عمر لم يفعل ذلك ولم يكن يقدر عليه؛ ذلك أن أبا بكر كان يحكم مجتمعاً موحداً يستطيع بسهولة أن يكون فيه صاحب القول الفصل دون معارض، لا لأنه قول صادر من أبي بكر، وإنما لكونه (المجتمع) كان يفكر بامور اخرى يساوره القلق منها. كما أنّ الخلافة برأي المجتمع الإسلامي آنذاك لم تكن تحمل معها امتيازات خاصة، ولم يكن الخليفة إلا كغيره من أبناء المجتمع، والخلافة هي مهنته ومسؤوليته مثل أية مهنة ومسؤولية اخرى يتصدّى لها غيره، مضافاً لذلك فإن الحاكم لم يكن يحظى بامتيازات مادية في مجتمع فقير محدود كالمجتمع الذي كان على عهد أبي بكر، لهذا لم يكن هناك أي صراع على السلطة.
بيد أنّ الأمر تغيّر بعد وفاة عمر، فقد زالت الأخطار وانفتح المجتمع وانزاح الفقر، وكان من الطبيعي أن يتنافس الأفراد والفئات المتنفّذة لاستلام السلطة، ورغم أنّ الخليفة لم يُستثنَ بامتياز خاصّ لكنّ استلام هذا المنصب بحدّ ذاته كان
[١] - سيرة ابن هشام: ٤/ ٣٣٧٣٣٨، وكذلك مسند ابن حنبل: ١/ ٥٥٥٦.