الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٨٩ - التهديدات الخارجية
كانت على غير هذه الصورة، لكن الوضع تغيّر فيما بعد فتح المدائن وبيت المقدس، وزالت الشكوك والمخاوف من القوتين. إذن فقد شهد النصف الثاني من خلافة عمر تحولًا كبيراً بعد فتح المدائن وبيت المقدس وانهيار فارس وإمبراطورية الروم الشرقية، وأخذ الغليان والشعور الديني والهيجان الاجتماعي يؤول إلى الافول شيئاً فشيئاً.
وهنا لابد أن نشير إلى الغنائم الكثيرة التي لم تقع عليها عين عربي حتى ذلك الحين، فقد وقعت ثروة كبيرة وعدد هائل من الأسرى يتسمون بثقافة وحضارة أرقى في وسط مجتمع بدويّ بسيط في الجزيرة العربية، وظهرت تأثيرات هذا الحدث على عهد عثمان، رغم أنّ النصف الثاني من فترة خلافة عمر لم يسلم هو الآخر من نتائجه. فبالرغم من سطوة عمر وقسوته فقد وقعت أحداث كثيرة أواخر عهده تُنبئ عن حالات استياء حصلت بسبب هذه التغيرات واجهها عمر بشدة[١].
وقتل عمر وهو في ذروة قدرته، ولو دامت خلافته أكثر من هذا لتدنّت قدرته ونفوذه بسبب التحولات السريعة التي كانت تقع آنذاك، ولَما استطاع أن
[١] - لمعرفة الغنائم التي حصل عليها المسلمون في حروبهم مع الفرس والروم راجع: الأخبار الطوال، والكامل في التاريخ: ٢/ ٦٨ ٣٨.
ويقول أحمد أمين نقلًا عن الأخبار الطوال:« إنّ المسلمين أصابوا يوم جلولاء غنيمة لم يغنموا مثلها قطّ، وسبوا سبياً كثيراً من بنات أحرار فارس. فذكروا: أنّ عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من أولاد سبايا الجلوليات ...» فجر الإسلام: ٩٥، الملل والنحل: ١/ ٢٥٢٦.
وروى نافع عن عمر: أنّه قال حين أتاه فتح القادسية:« أعوذ بالله أن يعقبني الله بين أظهركم حتى يدركني أولادكم من هؤلاء، قالوا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: ما ظنّكم بمكر العربي ودهاء العجمي إذا اجتمعا في رجل» كنز العمال: ٥/ ٧٠٢.