الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٨٨ - التهديدات الخارجية
وأن عظمتهما كانت تتجلّى في الأنظار كقوتان لا تنضبان، وتتضح هذه الملاحظة من خلال دراسة الوثائق التاريخية المرتبطة بتلك المرحلة، والشك والتردد الذي كان يقترن بأيّ إقدام من هذا القبيل[١].
كانت أولى الاشتباكات العسكرية بين المسلمين والدول المجاورة محدودة، لكنّها كشفت لهم مكامن الضعف لدى أعدائهم، وما ساعد على ذلك تحركات بعض القادة المحلّيين الذين كانوا يرغبون بالحرب واستمرارها، وبالتالي فهم الذين شجعوا الخليفة الثاني على خوض معركة شاملة مع الفرس ودفعوه إليها، لكنّ القلق كان يساور الخليفة والكثير من المسلمين من هزيمة منكرة حتى اللحظات الأخيرة من تحقيق النصر[٢].
لقد حصل هذا في النصف الأول من خلافة عمر، أمّا ما كتبه البعض فيما بعد بخصوص قرار عمر وسائر المسلمين بخوض غمار الجهاد ضد الفرس والروم فلا يعدو كونه محاولة لإضفاء الهيبة والقوة على أبطالهم، وحقيقة الأمر: أنّ الظروف
[١] - يصور عبد الله بن عمر الظروف الخطيرة آنذاك بالشكل التالي:« لمّا قُبض النبي( ص) اشرأبّ النفاق بالمدينة، وارتدت العرب، وارتدت العجم وأبرقت، وتواعدوا نهاوند وقالوا: قد مات هذا الرجل الذي كانت العرب تُنصر به، فجمع أبو بكر المهاجرين والأنصار وقال: إنّ هذه العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم ورجعوا عن دينهم، وإنّ هذه العجم قد تواعدوا نهاوند ليجمعوا لقتالكم، وزعموا أنّ هذا الرجل الذي كنتم تُنصرون به قد مات، فأشيروا عليّ فما أنا إلا رجل منكم، وإني أثقلكم حملًا ...». كنز العمال: ٥/ ٦٦٠.
[٢] - الروايات التي تكشف عن خوف المسلمين من مواجهة فارس حتى في عهد عمر كثيرة. ومن المعروف أن عمر كان يخشى الإقدام على هذه الخطوة، ولهذا قرّر عدة مرات الذهاب إلى ميدان القتال بنفسه، حتى طرد عليّ( ع) عنه الخوف ومنعه من الذهاب في بيان موجز مليء بالمعاني:« إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلّة. وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعدّه وأمدّه، حتى بلغ ما بلغ ...». نهج البلاغة: الخطبة( ١٤٦).