الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٧٨ - أيديولوجية النظام الحاكم
أيديولوجية النظام الحاكم:
ما قلناه حتى الآن يعود إلى تطور الفكر السياسي للشيعة والسنّة خلال قرن أو قرنين من زمن الصدر الأول، والأرضية التي نما عليها فقه أهل السنّة وكلامهم، وتأثيرها عليه. أما كيفية تفسيره وتحوله فيما بعد فهو موضوع مستقل لا يمكن فهم الوضع الحالي بشكله الصحيح دونه، خاصة وأن التكوين الاجتماعي والنفسي والمذهبي لأهل السنّة قد تبلور عملياً في هذه المرحلة. وقد ترك المنهج الديني والسياسي لبني العباس تأثيراً مصيرياً على اسس الفكر السياسي لأهل السنّة، رغم أن هذه الاسس قد ارسيت في فترة الخلفاء الراشدين وبني امية ولا سيما فترة حكم معاوية، غير أن العباسيين وضعوا النقاط على الحروف ودوّنوا تلك الاسس بصورتها النهائية؛ لأنهم كانوا بحاجة إلى التظاهر بالدين، فاستغلّوه غاية الاستغلال للاستمرار بالخلافة[١].
[١] -« في سنة ثلاث وأربعين ومائة شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث، والفقه، والتفسير، فصنف ابن جريح بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغاربي، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي ... وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية، واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون مِن حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة». تاريخ الخلفاء: ٢٦١.
لدراسة العوامل المانعة عن كتابة الأحاديث النبوية في الصدر الأول راجع الملل والنحل: ٥١٧١. ولاحظ أيضاً البحث الوافي في كتاب: أضواء على السنّة المحمدية: ٢٦١. ويبدو أن العلماء في الفترة اللاحقة لم يكونوا في البدء راغبين في الكتابة اتباعاً للماضين، لكنهم عكفوا عليها بعد أن اجبر هشام الزهري عليها. نفسه: ٢٦٢.