الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٩٧ - نظرتان
نظرتان:
تعود بدايات هاتين النظرتين إلى المرحلة التي تلت وفاة رسول الله (ص)، فلم يكن يخالج أحد الشك حينذاك من ضرورة تطبيق الأحكام والموازين الدينية في المجتمع، فقد كان واضحاً بأن المجتمع ينبغي أن يدار وفق قوانين وضوابط معلومة، لكن الغموض احيط بموضوع الحاكم والخليفة، فالمهم هو إدارة المجتمع وانتخاب شخص لهذه الإدارة، وحينما اختير أبو بكر لها بايعه عامة المسلمين لا بسبب خصوصيات يتوفر عليها أو ميزات معينة كان المسلمون يتوسّمونها في الحاكم المنتخَب، وإنما كان الأمر أسرع من هذه التأملات والمناقشات وربما بدا عادياً جداً، فقد بايع عدد من الأشخاص أبا بكر ثم تبعهم الآخرون على الفور ودون إضاعة الوقت.
وقد تم الإذعان لخلافة أبي بكر كحقيقة واقعة، ولو كانت البيعة لغيره لجرى القبول بها أيضاً كحقيقة واقعة، ودليل ذلك: أنّ أهل المدينة قالوا لفاطمة الزهراء (عليهاالسلام) حينما كانت تدعوهم مراراً للعمل بوصايا رسول الله (ص) وعدم إزاغة الحق عن مجراه وتسألهم النصرة: «يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به»[١].
فماذا كانت النتيجة النهائية؟
كانت للرسول (ص) مكانته الخاصة عند الجميع باعتباره المشرِّع والزعيم
[١] - الإمامة والسياسة: ١/ ١٢. المثال الآخر ما قاله بشير بن سعد الأنصاري بعد خطبة الإمام علي( ع) في وصف آل الرسول( ص)، وأنهم أولى بالخلافة من سواهم:« لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان». نفسه: ١٢. وذهب فقهاء المذهب الحنفي إلى أن الخليفة لا يعزل لو فسق، وأن العدالة ليست شرطاً في انعقاد الخلافة، ويجوز عقدها للفسّاق رغم كراهية ذلك، وينقل عبد الكريم البكّاء أنه رأى عشرة من الصحابة صلّوا خلف أئمة جور. انظر معالم الخلافة الإسلامية: ٣٠٧ ٣٠٦.