الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٩٩ - نظرتان
وبصورة مستقلة عنها. فلم يكن يُؤخذ بالاعتبار ماذا تريد الامّة؟ وماذا تقول؟ وما هي الضوابط الشرعية المتعلقة بالحاكم لكي يُعين الخليفة على أساسها؟ إنما كان الخليفة السابق يعيِّن اللاحق، والأخير إمّا كان ابنه أو أخاه. وكان من المشكل بل من المستحيل في رأي الكثير من اناس تلك الفترة تغيير هذه الحقيقة، أمّا اولئك الذين كانوا يرون إمكانية التغيير الشاقة كانوا لا يرغبون بالخوض في امور تسبّب لهم المشاكل وتستلزم التضحية والإيثار[١].
بهذه الصورة انتصر الأمر الواقع على العقيدة، لأنه اتخذ كأصل منذ البدء، رغم أن الأمر الواقع الذي اتخذ الطابع الرسمي فيما بعد كان يختلف تماماً عن الأمر الواقع الذي أذعن له الناس في البداية، كما اختلفت آلية تعيين الخليفة والشروط اللازمة فيه وحدود صلاحياته تماماً عما كانت عليه إبّان عهد الخلافة الراشدة، حتى آل الأمر إلى أن الحاكم أصبح مفروض الطاعة ويمتلك الشرعية لمجرد أن السلطة بيده، حتى وإن عُدِم أدنى الشروط اللازمة لإحراز هذا المنصب واستولى على السلطة بالقوة، بل وإن كان ظالماً جائراً يتعدى حدود الشريعة ويمارس الفسوق[٢].
يقول الفقيه والقاضي المعروف ابن جماعة: «وأما الطريق الثالث الذي تنعقد به البيعة القهرية فهو قهر صاحب الشوكة، فإذا خلا الوقت من إمام فتصدى لها من هو أهلها، وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف انعقدت بيعته، ولزمت طاعته ... لينتظم شمل المسلمين، وتجتمع كلمتهم، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلًا أو فاسقاً».
ثم يقول: «وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد، ثم قام آخر فقهر
[١] - من أوضح الأمثلة: انتقاد الإمام الحسين( ع) للعلماء المتهتكين المصانعين للظلمة في زمانه وجميع الدهور. تحف العقول: ١٧١١٧٢.
[٢] - من اصول الفكر السياسي الإسلامي: ٤٣٨٤٤٤.