الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٧٠ - سبل ظهور الجهد الثوري
المتعصبون والمتحجّرون[١].
[١] - للمصادمات المذهبية في الإسلام تاريخ واسع مضمَّخ بالدم، وللحنابلة فيها حصة الأسد بسبب اعتقاداتهم المتحجرة الساذجة الناشئة عن نفسيات متشددة، وحتى الأشاعرة المعروفين بالتعصب والتشدد زهقوا من تحجر الحنابلة وتعصبهم وقسوتهم وفتنهم. على سبيل المثال كتب جماعة من العلماء الأشاعرة رسالة إلى الخواجة نظام الملك في إسناد ودعم أبي القاسم القشيري رئيس الأشاعرة آنذاك، اشتكوا فيها من تصرفات الحنابلة وطلبوا منه الدعم المؤثر. والطريف أن هذه الرسالة كتبت في زمن كان الأشاعرة والشافعية يمتلكون من القوة والهيمنة مالا يمتلكها غيرهم، ويمكن من مضمون الرسالة معرفة مستوى الضغط الذي كان يمارسه الحنابلة على الفرق الاخرى، فقد أظهر جمع من الحشوية وعوام الناس والأوباش الذين أطلقوا على أنفسهم بالحنابلة بدعاً قبيحة وأعمالًا شنيعة في بغداد لا يقول بها أي ملحد فضلًا عن الموحد، فنسبوا إلى الله كلّ ما هو منزه عنه من النقائص والآفات والحدوث والتشبيهات ... وبادروا إلى هتك الأئمة الماضين والطعن بأهل الحق والمتدينين ولعنهم في المساجد والمحافل والأسواق .. انظر: الملل والنحل للُاستاذ السبحاني: ٢٧٩٢٨٢.
ويمكن ملاحظة حكايات كثيرة في هذا الباب في كتاب طبقات الحنابلة الذي كتب من قبلهم في تخليد علمائهم وشرح أحوالهم، والحكاية التاريخية التالية توضّح جانباً من دور الحنابلة في إثارة الفتن: ففي زيارة الطبري الثانية لبغداد سأله الحنابلة في المسجد الجامع في إحدى الجمع عن رأيه بابن حنبل وحديث جلوس الله على العرش، فأجاب بأنه لا يعتدّ بمعارضة أحمد بن حنبل. فقالوا: إن العلماء اعتدّوا به. فقال الطبري بأنه لم يره ولم ير بأنه روى عنه ولم يلتقِ بأحد أصحابه الموثوقين، أما حديث الجلوس على العرش فهو أمر محال.
لمّا سمع الحنابلة وأصحاب الحديث هذا الكلام هاجموه ورشقوه بالدواة، فالتجأ الطبري إلى منزله، فلحق به الحنابلة وهم عدة ألوف ورشقوا داره بالحجارة حتى تكوّم تل من الحجارة أمام الدار. فتدخّل صاحب شرطة بغداد نازوك ومعه آلاف من رجاله وأنقذ الطبري من شر العامة، ومكث هناك يوماً واحداً، وأمر برفع الحجارة من أمام الدار. راجع: وهابيان( الوهابيون): ٢٧. انظر أيضاً ما تعرض له أحد أكبر علماء القرن السابع العزّ بن عبد السلام من الحنابلة في: الإسلام بين العلماء والحكام: ١٩٢.