الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٧٥ - انتخاب أبي بكر
المسؤولية لم يكن يعني أبداً أنّ الحاكم قد نال منزلة دينية أعلى.
يشرح الكاتب علي عبد الرازق في فصل من كتابه المعروف الأحداث التي وقعت بعد وفاة رسول الله (ص)، ويقول في جانبٍ من تحليله للأحداث التي أدت إلى انتخاب أبي بكر:
«كانوا يومئذ إنما يتشاورون في أمر مملكة تقام، ودولة تُشاد، وحكومة تُنشأ إنشاء. ولذلك جرى على لسانهم يومئذ ذكر الإمارة والامراء، والوزارة والوزراء، وتذاكروا القوة والسيف، والعزّ والثروة، والعدد والمنعة، والبأس والنجدة. وما كان ذلك إلا خوضاً في الملك، وقياماً بالدولة. وكان من أثر ذلك ما كان من تنافس المهاجرين والأنصار وكبار الصحابة بعضهم مع بعض، حتى تمت البيعة لأبي بكر، فكان هو أول ملك في الإسلام.
وإذا أنت رأيت كيف تمت البيعة لأبي بكر واستقام له الأمر تبين لك أنها كانت بيعة سياسية ملكية، عليها كل طوابع الدولة المحدثة، وأنها إنما قامت كما تقوم الحكومات على أساس القوة والسيف.
تلك دولة جديدة أنشأها العرب، فهي دولة عربية وحكم عربي، ولكن الإسلام كما عرفت دين البشرية كلها، لا هو عربي ولا هو أعجمي.
كانت دولة عربية قامت على أساس دعوة دينية، وكان شعارها حماية تلك الدعوة والقيام عليها. أجل ولعلها كانت في الواقع ذات أثر كبير في أمر تلك الدعوة. وكان لها عمل غير منكور في تحول الإسلام وتطوره، ولكنها على ذلك لا تخرج عن أن تكون دولة عربية، أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، ومكّنت لهم في أقطار الأرض، فاستعمروها استعماراً، واستغلّوا خيرها استغلالًا، شأن الامم القوية التي تتمكن من الفتح والاستعمار.
كان معروفاً للمسلمين يومئذ أنهم إنما يقدمون على إقامة حكومة مدنية دنيوية، لذلك استحلّوا الخروج عليها، والخلاف لها، وهم يعلمون أنهم إنما يختلفون