الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٥٥ - الإسلام والمسيحية والمدنية الجديدة
كدين على التكيّف والانطباق مع التطورات الناجمة عن تقدم هذه المدنية، وما أوجدته من ضرورات جديدة في المجالات العلمية والاجتماعية والسياسية والثقافية وحتى الأخلاقية والتربوية المختلفة، وهذه القدرة مرتبطة بالدرجة الاولى بالخصوصيات الذاتية في هذه الديانة[١]. فالنواة المركزية في المسيحية كانت عبارة عن تعاليم عيسى (ع) وكتاب الإنجيل وكذلك العهد العتيق، والتي أصبحت فيما بعد تشكل جزءاً من المسيحية، أمّا الأجزاء الثانوية الاخرى فقد دوّنها آباء الكنيسة والكنسيون واضيفت إليها لتبديل المسيحية إلى دين كامل شامل يتكفّل بجميع الامور المادية والمعنوية والفردية والاجتماعية للمؤمنين به في القرون الوسطى.
ففي تلك القرون حكمت المسيحية اروبّا بينما كان الإسلام هو الذي يحكم المسلمين في تلك المرحلة، وكان كلاهما يلبّي حاجات أتباعه، وله حضور فعّال في جميع أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية لهم، بفارق مهم هو: أنّ الإسلام
بكلّه كان يستلهم من ذاته أي القرآن والسنّة، بينما لم تكن المسيحية تعتمد على تعاليمها الاولى الخالصة إلا في جزءٍ منها، وكان إجماع آباء الكنيسة والكنسيون هو الذي يسدّ الثغرات ويعوّض عن النواقص لتكتمل هذه الديانة.
من الطبيعي أن يختلف ردّ فعل الديانتين حيال الضغوط التي تُوجّه ضدها وتحاول إرغامها على التراجع. فالدين هو الذي يبيّن ويعيّن اصوله ومبادئه وحدوده في حالة، وفي حالة اخرى لا تتحدد هذه الامور من قبل المشرِّع الأول وإنما يعيّن جزءاً من هذه المجموعة آخرون ليسوا بأهمية المشرّع الأول رغم قداستهم. والأهم
[١] - كأفضل مثال على ذلك انظر في:Vatican Council ,II ,pp .٣٠٩ -٤١٠١ .
وقد ترك الاختلاف بين ردود الفعل الإسلامية والمسيحية أمام المدنية الجديدة أثره على أتباع الديانتين، انظر في هذا المجال كتاب: روشنفكران عرب وغرب( مثقّفو العرب والغرب): ١٤١٧.