الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٣٧ - المفهوم الفقهي للعدالة
التبريرات حتى تتدنى منزلتها وتدخل عالم النسيان.
لم يقتنع الامويون بأقل مما كان سائداً في عهد رسول الله (ص) والخلفاء من إقامة صلاة الجماعة والجمعة بإمامة الخليفة ونوّابه وولاته، لا رغبة منهم في تطبيق سنّة الرسول (ص) والخلفاء الراشدين، بل لأن توكيلها إلى الغير كان يناقض استقرار السلطة والشرعية لهم، حيث كانت غاية مرادهم السلطة والحكم، وهذا لم يكن يتسنى آنذاك إلا بالتصدي لإمامة الجماعة والجمعة، ونستنتج من المصادر التاريخية التي تتطرق إلى تلك الفترة بأن خلفاء بني امية كانوا كارهين للإمامة وخاصة إمامة الجماعة؛ لما كانت تشكله الخطبة من عبء عليهم.
يقول غولدتسيهر في هذا المجال: «لم يكن إلقاء الخطبة على الخلفاء الامويين أمراً يسيراً، لكنهم كانوا يستسلمون للأمر الواقع من أجل تذكير الامّة بزعامتهم. فقد قيل لعبد الملك: عجَّل عليك الشيب، فقال: كيف لا يعجل عليّ وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟»[١].
لم تقتصر كراهية إلقاء الخطبة على الخلفاء وحسب، بل كان ولاتهم أيضاً لا يرغبون بها، حتى أن شخصاً متكلماً كعبيد الله بن زياد كان يعتبرها سبباً لتكدّر نعمة الإمارة[٢]، وقال أحد العمال على المدائن بعد أن صعد المنبر وارتجّ عليه: «... ولقد كنت وما في الأيام يوم أحب إليّ من يوم الجمعة، فصرت ما في الأيام يوم أبغض إليّ من يوم الجمعة، وما ذلك إلا لخطبتكم هذه»[٣].
من جهة اخرى، كان المسلمون ملزمين بالمشاركة في الجماعات والجمعات كواجب شرعي، امتثالًا لسيرة السلف وتوصيات النصوص الدينية، حيث كانت
[١] -
Goldziher, Muslim Studies, vol, II, p. ٠٥.
[٢] - عيون الأخبار: ٢/ ٢٨٢.
[٣] - نفسه: ٢٨١.