الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٣١٩ - تطبيق الشريعة
فضلًا عن هذه المجموعة من القضايا التي تنطوي على بُعد نظري ثمة سلسلة اخرى من المسائل المطروحة، فقد قُلنا سابقاً: إنّ الفرق بين الحركات الشيعية والسنية وخاصة في التاريخ المعاصر لا ينحصر في الفرق الأيديولوجي، ويتعدّاه إلى التكوين الاجتماعي والنفسي لكليهما، هذا التكوين الذي يختلف حسب المختصات النظرية لهما، وبالتالي فإن الاختلاف هو ثمرة قرون من التجربة المختلفة لنظريتين متباينتين. وتقع أية حركة كبيرة وواسعة تظهر في نطاق هاتين الطائفتين تحت التأثير القوي لهذين التكوينين المختلفين، وطالما كان الأمر كذلك فينبغي أن لا نتوقع أن تتماثل مظاهر تجلّيها وبروزها لمجرد كونها حركات إسلامية. ومع عدم إنكار إسلاميتها وغاياتها في تحكيم الإسلام لكنها تحمل تصورات مختلفة عن الإسلام، فضلًا عن أنها تخضع لتربية وتأثير واقعين متباينين.
وتعود مشكلات الأيديولوجية الإسلامية والثورية السنية إلى القيود الفقهية والكلامية لهذا المذهب في مجال مجابهة السلطة الحاكمة من جهة، وإلى سرعة التحولات من جهة اخرى، الأمر الذي جرّ الجيل الإسلامي الجديد في بعض البلدان الإسلامية إلى أفكار وأساليب تتّسِم بالمجابهة. هذه القيود وهذه السرعة حالت أمام العلماء والمفكرين من أهل السنّة في مسايرة هذه التطورات والتقدم إلى الأمام[١].
وبطبيعة الحال فإن ضغوط الأجهزة الحاكمة على المراكز العلمية الدينية، وسلب استقلالها وتجييرها لصالحها كان له الدور الكبير في ذلك. فحكّام عامة البلدان الإسلامية السنية ولا سيما البلدان العربية التي تستقر فيها قاعدة عريضة للحركات الدينية المنبثقة من المجتمع: من تونس والمغرب إلى مصر وسورية والحجاز
[١] - انظر: سدّ باب الاجتهاد وما ترتب عليه: ٥٨. ويتطرق مؤلفه ببيان صادق ينمّ عن إخلاص إلى عدم التحرك الفكري والاجتهادي لعلماء الدين والمشاكل الناجمة عن ذلك.
وانظر أيضاً آراء أمين في باب ضرورة فتح باب الاجتهاد:
William Sheperd, The Faith of a Modern Muslim Intell ectual.