الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٩٨ - نظرتان
السياسي، وانتقلت السلطة بعده إلى أبي بكر، ولكن دون أن يحتلّ في أذهان ونفوس اناس تلك الفترة شأناً دينياً خاصاً، سواء قبل خلافته أم بعدها، شأنه شأن سائر المهاجرين والأنصار، إلا أن هذه البيعة مهّدت لظهور فكرة تبدّلت فيما بعد إلى ركن أساسي في فكر أهل السنّة بشأن الحاكم وشروطه، الأمر الذي يستلزم المزيد من البحث والتوضيح.
المجموعة الاولى التي بايعت أبا بكر كانت تُعد بالأصابع، ثم لحق بهم الآخرون كاعتراف بالأمر الواقع وإذعان لما هو حاصل.
ورغم أن هذا الأمر لم يكون ملموساً إلى هذا الحد بالنسبة للخليفتين الثاني والثالث بيد أنه كان على هذه الشاكلة أيضاً، فقد عيّن أبو بكر عمرَ للخلافة، بمعنى أنه اعترف به خليفة فتبعه الآخرون، واعترف عبد الرحمن بن عوف بعثمان كخليفة نيابة عن الشورى الستة فتبعه الناس في ذلك، لكن انتخاب علي (ع) للخلافة يختلف تماماً عمّن سبقه، ذلك أن عامة الناس بايعته بإصرار على الخلافة.
المهم في ذلك فكرة الانصياع للحاكم كحقيقة واقعة انعقدت نطفتها على عهد الخلفاء الراشدين، ونمت هذه النطفة فيما بعد خاصة بعد مجيء بني امية حتى أصبح لها مفهوم وأبعاد تتباين كثيراً عما كانت عليه أيام الراشدين، واحيطت بهذه الفكرة في تلك الأيام هالة من القداسة الدينية مما ساعدت على انتشارها بين الناس، بل واستحوذت على شرعية مجمَع عليها.
قلنا: إنّ هذا النهج من التفكير بلغ غاية نضجه في عهد بني امية، وكان لمعاوية الدور التأسيسي فيه شأنه في ذلك شأن القضايا المماثلة الاخرى، فبعد أن استقرت له الخلافة بذل غاية جهده لحصر الخلافة في اسرته وراثة، الأمر الذي كان غريباً حتى ذلك الحين. ورغم المعارضة التي لقيها لكنه انتصر في النهاية على خصومه، وصار للخلافة بُعد وراثي.
ومنذ ذلك الحين كانت الخلافة تنتقل بصورة آلية خارج إرادة الامّة