المعاملات المصرفية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٣٥ - الفرع الثاني الغاية من المعاملات المصرفية و موقف الشريعة منها
إن الأسلوب المصرفي في تجميع الأموال و توظيفها هو تحقيق عملي تطبيقي لنظرة الشريعة إلى ما يجب أن يكون عليه دور المال في المجتمع. و هو أسلوب يتحقق فيه التوفيق بين حقوق الأفراد في تملك المال و حق الجماعة في الانتفاع به حتى لا يبقى معطلا بالاكتناز.
و مسألة تباين المعاملات المصرفية مع الشريعة الإسلامية ليست واردة بالنسبة للغايات المستهدفة من المعاملات، بل هي قائمة في الوسائل المتبعة لتحقيق تلك الغايات، فان مسألة نشوء هذه المعاملات و تطويعها لا حكام الشريعة الغراء لا تبدو أمرا عسير المنال، ذلك لتعدد الوسائل الموصلة إليها، مما يساعد على تخير الوسيلة الملائمة لتحقيق الغاية نفسها التي يمكن بلوغها بوسيلة أخرى مقبولة في نظر الشرع و الانتقال بالمعاملات المصرفية من واقعها القائم حالًا بما فيها من تعارض مع نظر الشريعة الإسلامية، بالاعتماد على البحث عن تخريجات لتحقيق الغايات المقصودة بما يتلاءم و شريعة العدل الإلهي، على أساس تكييفها لآراء فقهية تحقق الغايات المستهدفة من المصارف من دون أن نحني للمعاملات المصرفية أحاسيس الناس و نلوي من أجلها نصوص الشريعة بتخريجات باسم الحاجة و الضرورة و دفع الحرج بالتخريجات و الوسائل الكثيرة لتيسير الوصول بلا ضيق أو تضييق.
فقد عرف الفقه الإسلامي منذ عهود مبكرة، فكرة تبدل الوصف التعاقدي للعلاقة الواحدة و دون أن يعدّ هذا التبدل في الوصف مشكلة مستعصية. و لعل في عقد المضاربة ابرز مثال على سعة أفق الفقه الإسلامي في نظرته لتعدد أوصاف العلاقة التعاقدية في العقد الواحد حسب الأول و المواقف المختلفة. فقد قيل في عقد المضاربة أنه أمانة عند الدفع، و وكالة عند الشراء، و شركة عند الربح، و إجارة عند الفساد، و غضب عند المخالفة[١]
[١] السمرقندي. علاء الدين، تحفة الفقهاء، حققه و علق عليه محمد زكي عبد البر، الطبعة الأولى، مطبعة جامعة دمشق، ١٣٧٧ ه- ١٩٥٨ م، ٣/ ٢٥