المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٢٧٢ - الودائع و الفروض الربویة
الخلاصة:
إن الودائع المصرفية جميعا أي: سواء أ كانت من الودائع المتحركة أم الثابتة، فهي ليست بودائع حقيقية، بل هي قروض ربوية للبنك فيملكها البنك على وجه الضمان، و إطلاق الودائع عليها إنما هو بالعناية و بدافع إغراء الناس في إيداع أموالهم فيه حفظاً لها من التلف و تعويدا لهم على الادخار. نعم، يمكن تصوير أن هذه الودائع، ودائع بالمعنى الفقهي ثبوتاً و باقية في ملك أصحابها، و إن الإذن بالتصرف فيها إنما هو مع الاحتفاظ بملكية المودع للوديعة من طريق ضمان البنك الودائع، لا بالقرض لكي تخرج عن ملك أصحابها، و لا بمعنى النقل من ذمة إلى ذمة، فإنه لا يتصور إلا في الدين، بل بمعنى تعهد البنك و جعلها في مسئوليته مع بقائها على ملك المودع، و هذا نحو من الضمان المعاملي: فإنه على نحوين: أحدهما: مختص بباب الديون، و يعبر عنه بنقل الدين من ذمة إلى ذمة. و ثانيهما: لا يختص بها، بل يشمل الأعيان الخارجية أيضاً، و هو التعهد بشيء و جعله في عهدة الشخص، و في المقام يقوم البنك بإنشاء التعهد و تعاقده مع المودعين على ذلك، فإذا قام البنك بذلك تصبح الودائع في عهدته و مسئوليته مع بقائها على ملك المودعين، و نتيجة هذا التعهد هي أن خسارتها على ذمة البنك لو تلفت. و لكن هذا التصوير لا ينسجم مع النظام التقليدي الربوي في البنوك و المصارف، فإن مقتضى ذلك النظام إن الودائع المتوفرة لديها جميعا قروض ربوية، و خارجة عن ملك المودعين و داخلة في ملك البنوك على وجه الضمان بالمثل، و لا يمكن أن تكون ودائع حقيقة و بالمعنى الفقهي، إذ لازم كونها ودائع حقيقة أن يعود ثمنها و ربحها إلى المودع لا إلى البنك، فإن عوده إلى البنك مع بقاء نفسها في ملك المودع بحاجة إلى عناية زائدة، و هي وقوع شرط في ضمن عقد الضمان أو أي عقد أخر بين البنك و المودع، بأن يشترط البنك في ضمنه على المودع أن يكون الثمن ملكاً له بنحو شرط النتيجة، بمعنى أنه ينتقل إليه في طول انتقاله إلى المودع، لا بمعنى أنه ينتقل إليه ابتداء، فإنه باطل و مخالف لقانون المعاوضة، و أيضاً لا بد على هذا من استثناء المبلغ الذي دفعه البنك إلى المودع بمعنى: أنه يشترط عليه أن يكون مالكاً لما يزيد على المبلغ المذكور. فالنتيجة: إن افتراض تطبيق هذا التصوير و النظرية يستدعي تبديل النظام البنكي التقليدي بنظام جديد، إذ مع فرض بقاء ذلك النظام في البنوك لا يمكن تطبيق هذه النظرية.