المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٧ - الأخباريون و مسألة الاجتهاد
تبقى نقطتان من التساؤل:
النقطة الأولى: إن الإسلام كما يسمح للشخص باستنباط حكمه الشرعي و تحديد موقفه العملي تجاه الشريعة هل يسمح له باستنباط حكم غيره و تحديد موقفه العملي تجاها و الافتاء به؟ النقطة الثانية: إن الإسلام هل يسمح بعملية الاجتهاد و الاستنباط في كل عصر، و لكل فرد، أو لا يسمح إلا لبعض الأفراد، أو في بعض العصور؟
أما النقطة الأولى:
فلا شبهة في سماح الإسلام باستنباط حكم الغير، و تحديد وظيفته العملية تجاه الشريعة، و الافتاء به، و حجية هذا الافتاء على الغير فانه- بحكم كونه عامياً و غير مجتهد- مدعو من قبل العقل، و ملزماً ببناء كل تصرفاته و سلوكه في مختلف مجالات الحياة على فتاوى المجتهد و آرائه، و يسمى ذلك في المصطلح العلمي بعملية التقليد. و هذه العملية عملية ضرورية في الإسلام كعملية الاجتهاد تنبع من ضرورة واقع جهات ثلاث: الأولى: أن كل فرد بحكم كونه عبداً للّه تعالى ملزم من قبل العقل بامتثال أحكامه الشرعية و بتطبيق سلوكه في تمام مجالات الحياة الاجتماعية و الفردية على الشريعة. الثانية: أن كل فرد من المكلف لا يتمكن من الاجتهاد و عملية الاستنباط و تعيين موقفه العملي في كل واقعة تجاه الشريعة. الثالثة: إنه لا يتمكن من الاحتياط في كل واقعة من الوقائع التي تمر على حياة الإنسان حيث أنه يتوقف على تشخيص موارده، و دفع موانعه، و هو لا يتيسر لكل فرد، و لا سيما في الشبهات الحكمية، إلا أن يكون مجتهداً، أو كان بهداية منه. و قد تحصل من ذلك أن عملية التقليد كعملية الاجتهاد أمر لا يقبله الشك و تكون من البديهيات و هذه البداهة تنبع في النهاية من بداهة تبعية الإنسان للدين فالمنع عن هاتين العمليتين مساوق للمنع عن التبعية للدين، فاذن لا معنى للنزاع في أن الشارع قد سمح بهاتين العمليتين أو لم يسمح بهما، فإنه كالنزاع في البديهيات، و لا معنى له أصلًا. ثمّ أن التقليد- مضافاً إلى ما ذكرناه: من أنه عنصر ضروري في الإسلام لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة- مطابق للجبلة و الفطرة أيضا و هي رجوع الجاهل إلى العالم في تعيين مواقفه العملية