المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٤ - الأخباريون و مسألة الاجتهاد
و أما النقطة الثانية:
فقد عرفنا أن عملية الاجتهاد و الاستنباط لم تكن متأخرة تاريخياً عن عصر الحضور بل هي كانت موجودة في ذلك العصر غاية الأمر أن وجودها فيه كان بدائياً و غير معقد أو متطور ثمّ إننا إذا افترضنا أن عملية الاجتهاد متأخرة زماناً عن عصر الحضور و لم تكن موجودة في ذلك العصر و إنما وجدت و برزت في مظهر الوجود في عصر الغيبة. فحينئذ قد تبدو أمام هذا الافتراض المشكلة الآتية و هي أن عملية الاجتهاد و الاستنباط بما أنها حدثت في عصر الغيبة و لم تكن موجودة في عصر الحضور من ناحية، و غير كاشفة عن واقع التشريع الإسلامي إلا في حدود الظن فقط من ناحية أخرى فمع ذلك كيف يمكن الاعتماد على هذه العملية الظنية رغم أن الإسلام قد منع عن العمل بالظن و الاعتماد على القول بغير العلم.
حل هذه المشكلة بطريقتين
" الطريق الأول"
إن موقف الإنسان أمام الله تعالى- بحكم كونه عبداً له سبحانه و مسئولًا عن امتثال أحكامه و مدعواً من قبل عقله الفطري بالتوفيق بين سلوكه و أفعاله في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، و الفردية، المادية، و المعنوية، و بين الأحكام الشرعية الإلهية يدور بين ثلاث خطوات: الخطوة الأولى: أن الإنسان يقتصر في سلوكه أمام الله تعالى، و إطاعته على خصوص الأحكام الشرعية التي تتمتع بطابع ضروري أو قطعي. الخطوة الثانية: الأخذ بطريقة الاحتياط في مختلف مجالات الحياة. الخطوة الثالثة: الأخذ بطريقة الاجتهاد، و تعيين الوظائف العملية بها تجاه الشريعة. و بعد ذلك نقول: أما الخطوة الأولى: فلا يمكن للإنسان- بحكم كونه عبداً للّه تعالى، و يرى نفسه ملزماً ببناء كل تصرفاته و سلوكه في شتى جوانب الحياة على أساس القوانين الشرعية الإلهية- أن يأخذ بهذه الخطوة، لما عرفت من أنها لا تكفي إلا في شطر قليل من مجالات الحياة. و لازم ذلك: هو أن يكون الإنسان حراً في تصرفاته و سلوكه الاجتماعية، و الفردية إلا في هذا الشطر