موسوعة في ظلال شهداء الطف - الصمياني، حيدر - الصفحة ٤٠ - بطولة متميزة
وكان برذون النخارجان مدرباً، فلم يبرح، فركبه زهير وقد سلبه سواريه ودرعه وقباءه ومنطقته فأتى به سعداً فاغنمه إياه وأمره سعد أن يتزيّا بزيه، ودخل على سعد، فكان زهير بن سليم أول من لبس من العرب السوارين([٦٩]).
يا له من موقف عظيم، تشرئبّ له الأعناق، وتهفو له النفوس، وتنحني له هامات الأبطال إجلالاً وإكباراً، لقد مَثّل الشهيد (في قتاله للنخارجان) المسلمين جميعاً في رباطة الجأش، وقوة الإيمان والعقيدة، والشوق إلى لقاء الله وثوابه.
فتصور معي عزيزي القارئ بطلاً مجرباً وعسكرياً محنكاً وبديناً جسيماً يبعثهُ يزدجرد (ملك بلاد فارس كلها) مع مئات من الآلاف الطيِّعة بين يديه، فيقف هو وكل ذلك الجيش أمام المسلمين، ثم يخرج بين الصفين ويصيح بأعلى صوته ألا من رجل لرجل، والجميع يسمعون، فلا يخرج إليه إلا الشهيد الكربلائي، يقف أماه (وهو غير آبه بكل ما يراه من جيوشٍ وآلات عسكريةٍ وقائدٍ خَبَرَ الحروب كثيراً) يتقدم لقتاله وعيون مئات الآلاف من المسلمين تنظر إليه، فلا تمضِ إلا مدّة وجيزة من الزمن إلاّ ويرجع الشهيد إلى المسلمين وهو يكبِّر ويُحمّد ويمجّد الله على نصره الذي بدأت معالمه تبين، وآفاقه تتضح، بعد أن جندل قائدهم، وقتل كبيرهم، رجع وقد تقَلّد أساوره([٧٠]) (لا حباً في لبس الأسوار) وإنما هي فرحة النصر، الذي طرب لها قلبه، وانشرحت بسببها أساريره، فهنيئاً لك هذه الشجاعة،
[٦٩]. الأخبار الطوال للدينوري / ١٢٣.
[٧٠]. السوار: حلية كالطوق تلبسه المرأة، وكان الفرس يتحلون بالسوار يومذاك.