الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٥٠ - ما يصح من الشروط في البيع ومالا يصح
مالك ان اشرط ركوبا إلى مكان قريب جاز وان كان إلى مكان بعيد كره
لان اليسير تدخله المسامحة ولنا ماروى جابرانه باع النبي صلى الله عليه
وسلم جملا واشترط ظهره إلى المدينة وفي لفظ قال فبعته بأوقية واستثنيت
حملانه إلى أهلي متفق عليه وفي لفظ فبعته بخمس أواق قال قلت على ان لي ظهره
إلى المدينة قال " ولك ظهره إلى المدينة " رواه مسلم ولان النبي صلى الله
عليه وسلم نهى عن الثنيا الا أن تعلم وهذه معلومة ولان المنفعة قد تقع
مستثناة بالشرع على المشتري فيما إذا اشترى نخلا مؤبرة أو أرضا مزروعة أو
دارا مؤجرة أو امة مزوجة فجاز أن يستثنيها كما لو اشترط البائع الثمرة قبل
التأبير ولم يصح نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط إنما نهى عن
شرطين في بيع فمفهومه إباحة الشرط الواحد وقياسهم منقوض بشرط الخيار
والتأجيل في الثمن
( فصل ) وان باع أمة واستثنى وطأها مدة معلومة لم يصع
لان الوطئ لا يباح في غير ملك أو نكاح لقول الله تعالى ( والذين هم لفروجهم
حافظون
الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين
فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) وفارق اشتراط وطئ المكاتبة حيث نبيحه لانها مملوكة فيستباح وطؤها بالشرط في المحل المملوك .
واختار ابن عقيل عدم الاباحة أيضا وهو قول أكثر الفقهاء
( فصل ) وان
باع المشتري العين المستثناة منفعتها صح البيع وتكون في يد المشتري الثاني
مستثناة أيضا فان كان عالما بذلك فلا خيار له لانه دخل على بصيرة فلم يثبت
له خيار كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وان لم يعلم فله خيار الفسخ كمن
اشترى أمة مزوجة أو دارا مؤجرة وان اتلف المشتري العين فعليه أجرة المثل
لتفويت المنفعة المستحقة لغيره وثمن البيع وان تلفت العين بتفريطه فهو
كتلفها بفعله نص عليه احمد وقال يرجع البائع على المبتاع باحرة المثل قال
القاضي : معناه عندي القدر الذي نقصهالبائع لاجل الشرط وظاهر كلام احمد
خلاف هذا لانه يضمن ما فات بتفريطه فضمنه بعوضه وهو أجرة المثل فاما ان
تلفت بغير فعله وتفريطه لم يضمن قال الاثرم : قلت لابي عبد الله فعلى
المشتري أن يحمله على غيره لانه كان له حملان ؟ قال الا أنما شرط عليه هذا
بعينه لانه لا يملكها البائع من جهته فلم يلزمه عوضها كما لو تلفت النخلة
المؤبرة بثمرتها أوغير المؤبرة إذا اشترط البائع ثمرتها وكما لو باع حائطا
واستثنى منه شجرة بعينها فتلفت ، وقال القاضي عليه ضمانها أخذا من عموم
كلام أحمد وإذا تلفت العين رجع البائع على المبتاع باجرة المثل وكلامه
محمول على حالة التفريط على ما ذكرناه
( فصل ) إذا اشترط البائع منفعة
المبيع فاراد المشتري أن يعطيه ما يقوم مقام المبيع في المنفعة أو يعوضه
عنها لم يلزمه قبوله وله استيفاء المنفعة من غير المبيع نص عليه احمد لان
حقه تعلق بعينها أشبه ما لو استأجر عينا فبذل له الآخر مثلها ولان البائع
قد يكون له غرض في استيفاء منافع تلك العين فلا يجبر على قبول عوضها فان
تراضيا على ذلك جاز لان الحق لهما وان أراد البائع اعارة العين أو اجارتها
لمن يقوم مقامه فله ذلك في قياس المذهب لانها منافع مستحقة له فملك ذلك
فيها كمنافع الدار المستأجرة الموصى بمنافعها ولا تجوز اجارتها إلا لمثله
في الانتفاع فان أراد اجارتها أو اعارتها لمن يضر بالعين بإنتفاعه لم يجز
ذلك كما لا يجوز له اجارة العين المستأجرة لمن لا يقوم مقامه ذكر ذلك ابن
عقيل .