الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٦٤ - عدم فساد البيع بفساد الشرط
أبوبرزة صاحب رسول الله صلى الله وعليه وسلم فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له هذه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وما أراكما افترقتما .
فان فارق أحدهما الآخر مكرها احتمل بطلان الخيار لوجود التفرق ولانه لا يعتبر رضاه في مفارقة صاحبه له فكذلك في مفارقته لصاحبه ، وقال القاضي لا ينقطع الخيار لانه حكم علق على التفرق فلم يثبت مع الاكراه كما لو علق عليه الطلاق ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين ، فعلى قول من لا يرى انقطاع الخيار ان أكره أحدهما على فرقة صاحبه انقطع خيار صاحبه كما لو هرب منه يبقى الخيار للمكره منهما في المجلس الذي يزول عنه الاكراه فيه حتى يفارقه ، وان اكرها جميعا انقطع خيارهما لان كل واحد منهما يقطع خياره بتفرقة الآخر له فأشبه مالو اكره صاحبه دونه ، وذكر ابن عقيل من صور الاكراه مالو رأيا سبعا أو ظالما خشياه فهربا فزعا منه أو حملهما سبيل أو فرقت بينهما ريح .
فان خرس أحدهما قامت اشارته مقام نطقه فان لم تفهم اشارته أو جن أو
أغمي عليه قام أبوه أو وصيه أو الحاكم مقامه وهذا مذهب الشافعي
( فصل ) ولو
الحقا في العقد خيارا بعد لزومه لم يلحق وبه قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة
وأصحابنا يلحقه لان لهما فسخ العقد فكان لهما إلحاق الخيار به كالمجلس .
ولنا أنه عقد لازم فلم يصر جائزا بقولهما كالنكاح وفارق المجلس فانه
جائز فجاز ابقاؤه على جوازه
( فصل ) وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم
قال " البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا الا أن تكون صفقة خيار فلا يحل
له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله " رواه الترمذي وقال حديث حسن وقوله "
الا أن يكون صفقة خيار " يحتمل أنه أراد البيع المشروط فيه الخيار فانه لا
يلزم بتفرقهما لكونه ثابتا بعده بالشرط ، ويحتمل أنه أراد البيع الذي شرط
فيه أن لا يكون فيه خيار فيلزم بمجرد العقد من غير تفرق .
وظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية من فسخ البيع وهذا ظاهر كلام احمد في رواية الاثرم فانه ذكر له فعل ابن عمر وهذا الحديث فقال هذا الان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو اختيار أبي بكر ، وقال القاضي ظاهر كلام احمد جواز ذلك لان ابن عمر فعله والاول أصح لان قول النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على فعل ابن عمر ، والظاهر ان ابن عمر لم يبلغه هذا ولو علمه لما خالفه
مسألة
( إلا أن يتبايعا على أن لاخيار بينهما أو يسقطا الخيار بعده فيسقط في احدى الروايتين ، وان اسقطه أحدهما بقي خيار صاحبه ) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروي عنه ان الخيار يمتد إلى التفرق ولا يبطل بالتخاير ولا بالاسقاط قبل العقد ولابعده وهو ظاهر كلام الخرقي لان أكثر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " من غير تقييد ولا تخصيص في رواية حكيم بن حزام وأبي برزة