الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٤٠ - صحة العقود ما عدا البيع بعد نداء الجمعة
بزوال الشمس وان لم يجلس الامام على المنبر ، ولا يصح هذا لان الله تعالى علقه على النداء لا على الوقت ، ولان المقصود بهذا ادراك الجمعة وهو حاصل بما ذكرنا دون ما ذكره ، ولا نه لو اختص تحريم البيع بالوقت لما اختص بالزوال فان ما قبله وقت أيضا ، فأما من لا تجب عليه الجمعة من النساء والمسافرين وغيرهم فلا يثبت في حقه هذا الحكم وذكر ابن أبي موسى فيه روايتين لعموم النهي ، والصحيح ما ذكرنا ان شاء الله تعالى فان الله تعالى انما نهى عن البيع من أمره بالسعي فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي ، ولان تحريم البيع معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة وهذا معدوم في حقهم ، فان كان المسافر في غير المصر أو كان مقيما بقرية لاجمعة على أهلها لم يحرم البيع ولم يكره وجها واحدا ، فان كان أحدهما مخاطبا بالجمعة دون الآخر حرم على المخاطب وكره للآخر لما فيه من الاعانة على الاثم ، ويحتمل أن يحرم لقوله تعالى ( ولا تعاونوا على الاثم والعدوان )
مسألة
( ويصح النكاح وسائر العقود في أصح الوجهين كالاجارة والصلح ونحوهما وفيه وجه آخر أنه يحرم ولا يصح لانه عقد معاوضة أشبه البيع .
ولا أن النهي مختص بالبيع وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي لقلة وجوده فلا يؤدي إلى ترك الجمعة فلا يصح قياسه على البيع )
مسألة
( ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمرا ، ولا بيع السلاح في الفتنة ولا لاهل الحرب ويحتمل أن يصح مع التحريم )بيع العصير ممن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم وكرهه الشافعي ، وذكر بعض أصحابه أن البائع إذا اعتقد أنه يصيره خمرا محرم وانما يكره إذا شك فيه ، وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري أنه لا بأس ببيع التمر ممن يتخذه مسكرا ، قال الثوري بع الحلال من شئت لقول الله تعالى ( وأحل الله البيع ) ولان البيع تم بأركانه وشروطه ، ولنا قول الله تعالى ( ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) وهذا نهي يقتضي التحريم ، وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال يا محمد : إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها ، وحاملها والمحمولة إليه ، وشاربها وبائعها ومبتاعها وساقيها ، وأشار إلى كل معاون عليها ومساعد فيها .
أخرجه الترمذي من حديث أنس ، وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي ابن بطة باسناده عن محمد ابن سيرين أن قيما كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له ، وأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره فأمره بقلعه وقال بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر ، ولانه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية فأشبه إجارة أمته لم يعلم أنه يستأجرها للزنا بها والآية مخصوصة بصور كثيرة فيخص منها صورة النزاع بدليلنا ، وقولهم تم البيع بشروطه وأركانه قلنا لكن وجد المانع منه إذا ثبت هذا فانما يحرم البيع إذا علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله أو بقرائن محتفة بقوله تدل عليه ، وان كان الامر محتملا كمن لا يعلم حاله أو من يعمل الخل والخمر معا ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز .
فان باعها لمن يتخذها خمرا فالبيع باطل ويحتمل أن يصح ، وهو مذهب الشاف