الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٣٥ - بطلان البيع مع جهالة الثمن
عليك بثمن قفيز منها صح أيضا لانهما لما علما جملة الصبرة علما ما ينقص من الثمن ، ولو قال على أن أنقصك قفيزا صح لان معناه بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم ، وحكي عن أبي بكر أنه يصح في جميع المسائل على قياس قول أحمد لانه يجيز الشرط ولا يصح ما قاله لان المبيع مجهول فلا يصح بيعه بخلاف الشرط الذي لا يفضي إلى الجهالة .
وما لا تتساوى أجزاؤه كالارض والثوب والقطيع من الغنم فيه نحو من مسائل الصبرة .
وان قال بعتك هذه الارض أو هذه الدار أو هذا الثوب أو هذا القطيع
بألف درهم صح إذا شاهداه وان قال بعتك نصفه أو ثلثه أو ربعه بكذا صح وان
قال بعتك من الثوب كل ذراع بدرهم أو من القطيع كل شاة بدرهم لا يصح لانه
مجهول
( فصل ) ويصح بيع الصبرة جزافا مع جهل المتبايعين بقدرها لا نعلم فيه
خلافا وقد نص عليه أحمد ودل عليه حديث ابن عمر وهو قوله ، كنا نشتري
الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى
ننقله من مكانه متفق عليه ، ولانه معلوم بالرؤية فصح بيعه كالثياب
والحيوان ، ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة فان ذلك يشق لكون الحب بعضه على
بعض ولا يمكن بسطها حبة حبة ، ولان الحب تتساوى أجزاؤه في الظاهر فاكفتي
برؤية ظاهره بخلاف الثوب فان نشره لا يشق وتختلف أجزاؤه ولايحتاج إلى معرفة
قدرها مع المشاهدة لانه علم ما اشترى بأبلغ الطرق وهوالرؤية ، وكذلك لو
قال بعتك نصف هذه الصبرة أو جزأ منها معلوما لان ما جاز بيع جملته جاز بيع
بعضه كالحيوان ، قال ابن عقيل ولا يصح هذا إلا ان تكون الصبرة متساوية
الاجزاء ، فان كانت مختلفة مثل صبرة بقال القرية لم يصح ، ويحتمل أن يصح
لانه يشتري منها جزءا مشاعا فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه ولا فرق بين
الاثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافا ، وقال مالك لا يجوز في الاثمان لان
لها خطرا ولا يشق وزنها ولا عددها فأشبه الرقيق والثياب ولنا أنه معلوم
بالمشاهدة أشبه المثمنات والنقرة والحلي ويبطل بذلك ما قال .
وأما الرقيق فأنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم ، وكذلك الثياب
إذا شراها ورأى جميع أجزائها
( فصل ) فان كان البائع يعلم قدر الصبرة لم
يجز بيعها جزافا نص عليه أحمد وهو اختيار الخرقي .
وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد وعكرمة ، وبه قال مالك واسحاق وروي ذلك عن طاوس ، قال مالك لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك ، وعن أحمد رحمه الله أنه مكروه غير محرم فقد روى بكر بن محمد عن أبيه عنه أنه سئل عن الرجل يبيع الطعام جزافا وقد عرف كيله ، فقلت له وإن مالكا يقول إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري فان اختار أن يرده رده قال : هذا تغليظ شديد ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله إلا أن يخبره فان باعه فهو جائز عليه وقد أساء .
ولم ير أبو حنيفة والشافعي بذلك بأسا لانه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى .
ووجه الاول ما روى الاوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من عرف مبلغ شئ فلا يبيعه جزافا حتى يبينه " قال القاضي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله وأيضا الاجماع الذي نقله مالك ولان البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر الكيل الا للتغرير ظاهرا وقد قال عليه السلام " من غشنا