الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٣٣ - بيع مجهول المقدار والصفة واستثناء بعض المبيع
( فصل ) ويجوز بيع الجوز واللوز والفستق والباقلا والرطب في
قشريه مقطوعا وفي شجره وبيع الطلع قبل تشقيقه مقطوعا وفي شجره وبيع الحب
المشتد في سنبله ، وبه قال أبو حنيفة ومالك ، وقال الشافعي لا يجوز حتى
ينزع قشره الا على إلا في الطلع والسنبل في أحد القولين ، واحتج بأنه مستور
بما لا يدخر عليه ولا مصلحة فيه فلم يجز بيعه كتراب الصاغة والمعادن وبيع
والحيوان المذبوح في سلخه .
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وعن بيع السنبل حتى يبيض وتؤمن العاهة فمفهومه إباحة بيعه إذا بدا صلاحه وابيض سنبله ولانه مستور بحائل من أصل خلقته فجاز بيعه كالرمان والبيض والقشر الاسفل ، ولا يصح قولهم ليس من مصلحته فانه لاقوام له في شجره إلا به ، والباقلايؤكل رطبا وقشره يحفظ رطوبته ولان الباقلا يباع في أسواق المسلمين من غير نكير وهذا إجماع ، وكذلك الجوز واللوز في شجرهما والحيوان المذبوح يجوز بيعه في سلخه فانه إذا جاز بيعه قبل ذبحه وهو مراد للذبح فكذلك إذا ذبح كما أن الرمانة إذا جاز بيعها قبل كسرها فكذلك إذا كسرت ، وأما تراب الصاغة والمعادن فلنا فيهما منع وان سلم فليس ذلك من أصل الخلقة في تراب الصاغة ولا بقاؤه فيه من مصلحته بخلاف مسألتنا .
( فصل ) ( السابع أن يكون الثمن معلوما فان باعه السلعة برقمها أو
بألف درهم ذهبا وفضة أو بما ينقطع به السعر أو بما باع به فلان أو بدينار
مطلق وفي البلد نقود لم يصح البيع وان كان فيه نقد واحد انصرف إليه ) يشترط
أن يكون الثمن في البيع معلوما عند المتعاقدين لانه أحد العوضين فاشترط
العلم به كالآخر وقياسا على رأس مال السلم فان باعه السلعة برقمها وهما لا
يعلمانه أو أحدهما لم يصح البيع للجهالة فيه وكذلك ان باعه بألف درهم ذهبا
وفضة لانه مجهول ولانه بيع غرر فيدخل في عموم النهي عن بيع الغرر ، وان
باعه بمائة ذهبا وفضة لم يصح البيع ، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح
ويكون نصفين لان الاطلاق يقتضي التسوية كالاقرار ، ولنا أن قدر كل واحد
منهما مجهول فلم يصح كما لو قال بمائة بعضها ذهب وقوله إنه يقتضي التسوية
ممنوع فانه لو فسره بغير ذلك صح .
وكذلك لو أقر له بمائة ذهبا وفضة فالقول قوله في قدر كل واحد منهما .
وان باعه بما ينقطع السعر به أو بما باع به فلان عبده وهما لا يعلمانه أو أحدهما لم يصح لانه مجهول ، وان باعه بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح لجهالته وإن كان فيه نقد واحد انصرف إليه لانه تعين بانفراده وعدم مشاركة غيره ولهذا لو أقر بدينار أو أوصى به انصرف إليه .
مسألة
( وان قال بعتك بعشرة صحاح أو احدى عشرة مكسرة أو بعشرة نقد أو عشرين نسيئة لم يصح ) لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة وهذا هو كذلك فسره مالك والثوري واسحاق ، وهذا قول أكثر أهل العلم لانه لم يجزم له ببيع واحد أشبه ما لو قال بعتك أحد هذين ولان الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول ، وقد روي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا لا بأس أن يقول أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب إلى أحدهما فيحتمل انه جرى بينها بعد ما يجري في العقد فكأن المشتري قال أنا آخذه بالنسيئة بكذا