الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٢٣ - الشراء ممن في ماله شبهة لوجود الحلال والحرام فيه
يذبحون فلا يجوز شراؤها وان جاز أن تكون ذبيحة مسلم لان الاصل التحريم فلا يجوز الا بيقين أو ظاهر وكذلك ان كان فيها اخلاط من المسلمين والمجوس لم يجز شراؤها لذلك والاصل فيه حديث عدي بن حاتم " إذا أرسلت كلبك فخالط أكلبا لم يسم عليها فلا تأكل فانك لا تدري أيها قتله " متفق عليه .
فاما ان كان ذلك في بلد الاسلام فالظاهر إباحتها لان المسلمين لا
يقرون في بلدهم بيع مالا يحل بيعه ظاهرا ( الثاني ) ما أصله الاباحة كالماء
يجده متغيرا لا يعلم بنجاسة تغيره أو غيرها فهو طاهر في الحكم لان الاصل
الطهارة لا يزول عنها الا بيقين أو ظاهر ولم يوجد واحد منهما ، والاصل في
ذلك حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال شكي إلى النبي صلى الله عليه
وسلم الرجل يخيل إليه في الصلاة انه يجد الشئ قال " لا ينصرف حتى يسمع صوتا
أو يجد ريحا " متفق عليه ( الثالث ) ما لا يفرق له أصل كرجل في ماله حلال
وحرام فهذا هو الشبهة التي الاولى تركها على ما ذكرناه وعملا بما روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه وجد تمرة ساقطة فقال " لولا أني أخشى أنها من
الصدقة لاكلتها " وهو من باب الورع
( فصل ) وكان أحمد لا يقبل جوائز
السلطان وينكر على ولده وعمه قبولها ويشدد في ذلك .
وممن كان لا يقبلها سعيد بن المسيب والقاسم وبشر بن سعيد ومحمد بن واسع الثوري وابن المبارك ، وكان هذا منهم على سبيل الورع لا على أنها حرام فان احمد قال : جوائز السلطان أحب الي من الصدقة وقال ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم نصيب فكيف أقول إنها سحت وممن كان يقبل جوائزهم ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم مثل الحسن والحسين وابن جعفر ورخص فيه الحسن البصري ومكحول الزهري والشافعي .
واحتج بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما
ومات ودرعه مرهونة عنده وأجاب يهوديا دعاه وأكل من طعامه وقد اخبر الله
تعالى أنهم أكالون للسحت ، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا بأس بجوائز
السلطان فان ما يعطيكم من حلال أكثر مما يعطيكم من الحرام وقال لا تسأل
السلطان شيئا وان أعطى فخذ فان ما في بيت المال من الحلال أكثر مما فيه من
الحرام
( فصل ) قال أحمد رضي الله عنه فيمن معه ثلاثة دراهم فيها درهم حرام
يتصدق بالثلاثة وان كان معه مائتا درهم فيها عشرة دراهم حرام تصدق بالعشرة
لان هذا كثير وذاك قليل ، قيل له قال سفيان ما كان دون العشرة يتصدق به
وما كان أكثر يخرج ؟ قال نعم لا يجحف به قال القاضي ليس هذا على سبيل
التحديد وإنما هو على سبيل الاختيار لانه كلما كثر الحلال بعد تناول الحرام
وشق التورع عن الجميع بخلاف القليل فانه يسهل اخراج الكل والواجب في
الموضعين اخراج قدر الحرام والباقي له وهذا لان تحريمه لم يكن لتحريم عينه
وانما حرم لتعلق حق غيره به فإذا أخرج عوضه زال التحريم كما لو كان صاحبه
حاضرا فرضي بعوضه وسواء كان قليلا أو كثيرا ، والورع إخراج ما يتيقن به
إخراج عين الحرام ولا يحصل ذلك إلا باخراج الجميع لكن لما شق ذلك في الكثير
ترك لاجل المشقة فيهواقتصر على الواجب .
ثم يختلف هذا باختلاف الناس فمنهم من لا يكون له سوى الدراهم اليسيرة فيشق اخراجها لحاجته إليها ومنهم من يكون له كثير فيستغني عنها فيسهل اخراجها والله تعالى أعلم