نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار(ص) - شُرَّاب، محمد حسن - الصفحة ٤٣٦ - فصل في ذكر مناقب إمام دار الهجرة أبي عبد اللّه مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي
مالك بن أنس فسلم و جلس فقال له الرشيد يا ابن أبي عامر أبعث إليك فتخالفني فقال يا أمير المؤمنين أخبرني الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال:
«كنت أكتب الوحي بين يدي النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فكتبت لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُجاهِدُونَ [١]. و كان ابن أم مكتوم عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال يا رسول اللّه إني رجل ضرير و قد أنزل اللّه تعالى في فضل الجهاد ما قد علمت فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لا أدري و قلمي رطب ما جف حتى ثقل فخذ النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عليّ ثم أغمي على النبي صلى اللّه عليه و سلم ثم جلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال يا زيد اكتب غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [١]. يا أمير المؤمنين حرف واحد تعب فيه جبريل و الملائكة من مسيرة خمسة آلاف عام أ لا ينبغي لي أن أعزه و أجله و إن اللّه تعالى رفعك و جعلك في هذا الموضع فلا تكن أنت أول من يضع عز العلم فيضع اللّه عزك قال فقام الرشيد فمشى مع مالك إلى منزله يسمع منه الموطأ و أجلسه معه على المنصة فلما أراد أن يقرأه على مالك قال لمالك تقرؤه علي قال يا أمير المؤمنين ما قرأته على أحد منذ زمان قال فيخرج الناس حتى أقرأه أنا عليك فقال إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم ينفع اللّه به الخاصة فأمر أن يقرأه معن بن عيسى القزاز عليه فلما بدأ بالقراءة قال مالك (رضي الله عنه) لهارون الرشيد يا أمير المؤمنين أدركت أهل العلم ببلدنا و أنهم ليحبون التواضع للعلم فنزل الرشيد عن المنصة فجلس بين يديه اه من الروض الفائق (الثانية منه أيضا) قال كان مالك (رضي الله عنه) في تعظيم علم الدين مبالغا حتى إذا أراد أن يحدث توضأ و صلّى ركعتين و جلس على صدر فراشه و سرح لحيته و استعمل الطيب و تمكن في الجلوس على وقار و هيبة ثم حدث فقيل له في ذلك فقال أحب أن أعظم حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هكذا يكون تعظيم العلم فالعلماء إذا عظموا العلم عظمهم اللّه عند الناس و جعل لهم الهيبة و الوقار في قلوب الملوك و من دونهم فيا أيها الطالب للعلم تواضع له فمن تواضع له تواضع للّه و من تواضع للّه رفعه اللّه فان التراب لما ذل لأخمص القدمين صار طهورا للوجه كما قال تعالى فامسحوا بوجوهكم يا هذا دم على حضور مجلس العلم فالطفل يحتاج كل ساعة إلى الرضاع فاذا صار رجلا صبر على الفطام. و اعلم أن طريق الفضائل مشحونة بالبلاء ليرجع عنها مخنث العزم.
[١] سورة النساء ٩٥.