نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار(ص) - شُرَّاب، محمد حسن - الصفحة ٤٨٦ - (الثاني من الأقطاب الأربعة سيدي عبد القادر الجيلي
فمحت ما في قلوبهم فبهتوا و اضطربوا و صاحوا صيحة واحدة و مزقوا ثيابهم و كشفوا رءوسهم ثم صعد الكرسي و أجاب الجميع عما كان عندهم فاعترفوا بفضله؛ و كان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره مع الصغير و الجارية و يجالس الفقراء و يفلي لهم ثيابهم و كان لا يقوم قط لأحد من العظماء و لا أعيان الدولة و ما ألمّ قط بباب وزير و لا سلطان، و كان (رضي الله عنه) يقول: أقمت في صحراء العراق و خرابه خمسا و عشرين سنة مجردا سائحا لا أعرف الخلق و لا يعرفوني يأتيني طوائف من رجال الغيب و الجان أعلمهم الطريق إلى اللّه عزّ و جلّ و رافقني الخضر (عليه السلام) في أول دخولي العراق و ما كنت عرفته و شرط أن لا أخالفه و قال لي اقعد هنا فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كل سنة مرة و يقول لي مكانك حتى آتيك ذكر ذلك الشعراني في طبقاته (و من) كلام سيدي عبد القادر كما في كتابه فتوح الغيب: إذا أقامك اللّه تعالى في حالة فلا تطلب الانتقال منها إلى ما هو أعلى منها أو أدنى بل تربص حتى يكون الحق تعالى هو الذي ينقلك بغير إرادة منك و إذا أوقفك بالباب فلا تطلب الدخول إلى الدار و اصبر حتى تدخل إليها بعد تكرر الإذن بالدخول و إياك أن تقنع بمجرد الإذن لك بالدخول مرة واحدة لجواز أن يكون ذلك مكرا و خديعة من الملك فإذا كان الدخول جبرا محضا و فضلا من الملك فحينئذ لا يعاقبك الملك على الدخول و إنما تتطرق العقوبة إليك بشؤم اختيارك و شرهك و قلة صبرك و سوء أدبك و تركك الرضا بحالتك التي أقامك الحق تعالى فيها ثم إذا أدخلك تلك الدار بالإذن فكن مطرقا برأسك غاضّا بصرك متأدبا ناظرا لما تؤمر به من الخدمة فتبادر إلى ذلك غير طالب للترقي إلى الدرجة العليا قال تعالى لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلم): لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [١] الآية. فنهاه عن الالتفات إلى غير الحالة التي هو فيها، ثم إن العبد الطالب للانتقال من حال إلى حال لا يخلو من أن يكون ذلك الأمر قسم له أو قسم لغيره أو لم يقسمه اللّه لأحد بل أوجده اللّه تعالى فتنة، فأما المقسوم فهو واصل إلى العبد لا محالة في الوقت الذي جعله الحق تعالى فلا ينبغي له أن يظهر
[١] سورة الحجر ٨٨.