نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار(ص) - شُرَّاب، محمد حسن - الصفحة ٤٨٤ - (الثاني من الأقطاب الأربعة سيدي عبد القادر الجيلي
يرجع إلى الكرسي و كان (رضي الله عنه) يقول بقيت أياما لم أستطعم فيها بطعام فلقيني إنسان فأعطاني صرة فيها دراهم فأخذت منها خبزا سميذا و خبيصا و جلست آكله فإذا برقعة مكتوب فيها قال اللّه تعالى في بعض كتبه المنزلة: «إنما جعلت الشهوات لضعفاء خلقي ليستعينوا بها على الطاعات أما الأقوياء فما لهم و للشهوات». فتركت الأكل و انصرفت و كان (رضي الله عنه) يقول انه لتردّ عليّ الأثقال الكبيرة التي لو وضعت على الجبال لتصدّعت فإذا كثرت علىّ الأثقال وضعت جنبي على الأرض و تلوت: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [١]. ثم أرفع رأسي و قد انفجرت عني تلك الأثقال و كان (رضي الله عنه) يقول قاسيت الأهوال في بدايتي فما تركت هولا إلا ركبته و كان لباسي جبة صوف و على رأسي خريقة و كنت أمشي حافيا في الشوك و غيره و كنت أقتات بخرنوب الشوك و قمامة البقل و ورق الخس من شاطئ النهر و لم أزل آخذ نفسي بالمجاهدات حتى طرقني من اللّه تعالى الحال فإذا طرقني صرخت و همت على وجهي سواء كنت في صحراء أو بين الناس و كنت أتظاهر بالتخارس و الجنون و حملت إلى البيمارستان و طرقتني مرة الأحوال حتى مت و جاءوا بالكفن و الغاسل و جعلوني على المغسل ليغسلوني ثم سري عني و قمت و قال له رجل مرة كيف الخلاص من العجب؟ فقال (رضي الله عنه) من رأى الأشياء من اللّه و أنه هو الذي وفقه للعمل و أخرج نفسه من البين فقد سلم من العجب. و قيل له مرة ما لنا لا نرى الذباب يقع على ثيابك فقال أي شيء يعمل الذباب عندي و أنا ما عندي شيء من دبس الدنيا و لا عسل الآخرة و كان (رضي الله عنه) يقول أيما امرئ مسلم عبر على باب مدرستي خفف اللّه عنه العذاب يوم القيامة و كان رجل يصرخ في قبره و يصيح حتى آذى الناس فأخبروه به فقال انه رآني مرة و لا بد أن اللّه تعالى يرحمه لأجل ذلك فمن ذلك الوقت ما سمع له أحد صراخا و كان (رضي الله عنه) يقرأ القرآن بالقراءات بعد الظهر و كان يفتي على مذهب الإمام الشافعي و الإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنهما) و كانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه.
[١] سورة الشرح ٥ و ٦.