نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار(ص) - شُرَّاب، محمد حسن - الصفحة ٤٦٦ - فصل في ذكر مناقب الإمام أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الشيباني المروزي ثم البغدادي الحافظ
نظر إلى الماء كما هو فقال يا سبحان اللّه رجل يطلب العلم و لا يكون له ورد من الليل، و كان (رضي الله عنه) يلبس الثياب النقية البياض و يتعهد شاربه و شعر رأسه و بدنه و كان مجلسه خاصا بالآخرة لا يذكر فيه شيء من أمر الدنيا و تعرت أمه من الثياب فجاءته زكاة فردها و قال العري خير من أوساخ الناس و إنها أيام قلائل ثم نرحل من هذه الدار و كان إذا جاع أخذ الكسرة اليابسة فنفضها من الغبار ثم صبّ عليها الماء في قصعة حتى تبتلّ ثم يأكلها بالملح و كانوا في بعض الأوقات يطبخون له في فخارة عدسا و شحما و كان أكثر إدامه الخل، و كان إذا مشى في الطريق لا يمكن أحدا يمشي معه و كان يحيي الليل كله من منذ كان غلاما و كان من أصبر الناس على الوحدة لا يراه أحد إلا في المسجد أو جنازة أو عيادة و كان يكره المشي في الأسواق، و كان ورده كل يوم و ليلة ثلاثمائة ركعة فلما ضرب بالسياط ضعف بدنه فكان يصلي مائة و خمسين ركعة كل يوم و ليلة، و حج (رضي الله عنه) خمس حجات ثلاثة منها ماشيا و كان ينفق في كل حجة نحو عشرين درهما و لما قدم للسياط أيام المحنة أغاثه اللّه تعالى برجل يقال له أبو الهيثم العيار فوقف عنده و قال يا أحمد أنا فلان اللص ضربت ثمانية عشر ألف سوط لأقر فما أقررت و أنا أعرف أني على الباطل فاحذر أن تقلق و أنت على الحق من حرارة السوط فكان أحمد كلما أوجعه الضرب تذكر كلام اللص و كان بعد ذلك لم يزل يترحم عليه. و لما دخل أحمد (رضي الله عنه) على المتوكل قال المتوكل لأمه يا أماه قد نارت الدار بهذا الرجل ثم أتوا بثياب نفيسة فألبسوها له فبكى الإمام و قال سلمت منهم عمري كله حتى إذا دنا أجلي بليت بهم و بدنياهم ثم نزعها لما خرج و كان (رضي الله عنه) يواصل الصوم فيفطر كل ثلاثة أيام على تمر و سويق قال الفضيل بن عياض حبس الإمام أحمد (رضي الله عنه) ثمانية و عشرين شهرا و كان فيها يضرب كل قليل بالسياط إلى أن يغمى عليه و ينخس بالسيف ثم يرمى على الأرض و يداس عليه و لم يزل كذلك إلى أن مات المعتصم و تولى بعده الواثق فاشتد الأمر على أحمد و قال لا أسكن في بلد ألحد فيه فأقام مختفيا لا يخرج إلى صلاة و لا غيرها حتى مات الواثق و ولي المتوكل فرفع المحنة عن أحمد و أمر بإحضاره و إكرامه